و كان المراد من إنزال اللباس والريش عليهم خلقه لهم كما في قوله تعالى:"و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع": الحديد: 25 ، وقوله: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6 ، وقد قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر 21 ، فقد أنزل الله اللباس والريش بالخلق من غيب ما عنده إلى عالم الشهادة وهو الخلق."
واللباس هو الذي يعمله الإنسان صالحا لأن يستعمله بالفعل دون المواد الأصلية من قطن أو صوف أو حرير أو غير ذلك مما يأخذه الإنسان فيضيف إليه أعمالا صناعية من تصفية وغزل ونسج وقطع وخياطة فيصير لباسا صالحا للبس فعد اللباس والريش من خلق الله وهما من عمل الإنسان نظير ما في قوله تعالى:"و الله خلقكم وما تعملون": الصافات: 96 ، من النسبة.
ولا فرق من جهة النظر في التكوين بين نسبة ما عمله الإنسان إلى الله سبحانه وما عمله منته إلى أسباب جمة أحدها الإنسان ، ونسبة سائر ما عملته الطبائع ولها أسباب كثيرة أحدها الفاعل كنبات الأرض وصفرة الذهب وحلاوة العسل فإن جميع الأسباب بجميع ما فيها من القدرة منتهية إليه سبحانه وهو محيط بها.
وليست الخلقة منتسبة إلى الأشياء على وتيرة واحدة وإن كانت جميع مواردها متفقة في معنى الانتهاء إليه إلا ما فيه معنى النقص والقبح والشناعة من المعاصي ونحوها فحقيقتها فقدان الخلقة الحسنة أو مخالفة الأمر الإلهي ، وليست بمخلوقة له وإنما هي أوصاف نقص في أعمال الإنسان مثلا في باطنه أو ظاهره ، وقد تكررت الإشارة إلى هذه الحقيقة فيما مر من أجزاء هذا الكتاب.
وتوصيف اللباس بقوله:"يواري سوآتكم"للدلالة على أن المراد باللباس ما ترفع به حاجة الإنسان التي اضطرته إلى اتخاذ اللباس وهي مواراة سوآته التي يسوؤه انكشافها وأما الريش فإنما يتخذه لجمال زائد على أصل الحاجة.
وفي الآية امتنان بهداية الإنسان إلى اللباس والريش وفيها - كما قيل - دلالة على إباحة لباس الزينة.
قوله تعالى:"و لباس التقوى ذلك خير"إلى آخر الآية.
انتقل سبحانه من ذكر لباس الظاهر الذي يواري سوآت الإنسان فيتقي به أن يظهر منه ما يسوؤه ظهوره ، إلى لباس الباطن الذي يواري السوآت الباطنية التي يسوء الإنسان ظهورها وهي رذائل المعاصي من الشرك وغيره ، وهذا اللباس هو التقوى الذي أمر الله به.
وذلك أن الذي يصيب الإنسان من ألم المساءة وذلة الهوان من ظهور سوآته روحي من سنخ واحد في السوآتين إلا أن ألم ظهور السوآت الباطنية أشد وأمر وأبقى فالمحاسب هو الله ، والتبعة شقوة لازمة ، ونار تطلع على الأفئدة ، ولذلك كان لباس التقوى خيرا من لباس الظاهر.
وللإشارة إلى هذا المعنى وتتميم الفائدة عقب الكلام بقوله:"ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون"فاللباس الذي اهتدى إليه الإنسان ليرفع به حاجته إلى مواراة سوآته التي يسوؤه ظهورها آية إلهية إن تأمله الإنسان وتبصر به تذكر أن له سوآت باطنية تسوؤه إن ظهرت وهي رذائل النفس ، وسترها عليه أوجب وألزم من ستر السوآت الظاهرية بلباس الظاهر واللباس الذي يسترها ويرفع حاجة الإنسان الضرورية هو لباس التقوى الذي أمر الله به وبينه بلسان أنبيائه.
وفي تفسير لباس التقوى أقوال أخر مأثورة عن المفسرين ، فقيل: هو الإيمان والعمل الصالح ، وقيل: هو حسن السمت الظاهر ، وقيل: هو الحياء ، وقيل: هو لباس النسك والتواضع كلبس الصوف والخشن ، وقيل: هو الإسلام ، وقيل: هو لباس الحرب ، وقيل: هو ما يستر العورة ، وقيل: هو خشية الله ، وقيل: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة هو خير من لباس الدنيا ، وأنت ترى أن شيئا من هذه الأقوال لا ينطبق على السياق ذلك الانطباق.
قوله تعالى:"يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة"إلى آخر الآية.
الكلام وإن كان مفصولا عما قبله بتصديره بخطاب"يا بني آدم"إلا أنه بحسب المعنى من تتمة المفاد السابق ، ولذا أعاد ذكر السوآت ثانيا فيرجع المعنى إلى أن لكم معاشر الآدميين سوآت لا يسترها إلا لباس التقوى الذي ألبسناكموه بحسب الفطرة التي فطرناكم عليها فإياكم أن يفتنكم الشيطان فينزع عنكم ذلك كما نزع لباس أبويكم في الجنة ليريهما سوآتهما فإنا جعلنا الشياطين أولياء لمن تبعهم ولم يؤمن بآياتنا.