فهرس الكتاب

الصفحة 1589 من 4314

و من هنا يظهر أن ما صنعه إبليس بهما في الجنة من نزع لباسهما ليريهما سوآتهما كان مثالا لنزع لباس التقوى عن الآدميين بالفتنة وإن الإنسان في جنة السعادة ما لم يفتتن به فإذا افتتن أخرجه الله منها.

وقوله:"إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم"تأكيد للنهي وبيان لدقة مسلكه وخفاء سربه دقة لا يميزه حس الإنسان وخفاء لا يقع عليه شعوره فإنه لا يرى إلا نفسه من غير أن يشعر أن وراءه من يأمر بالشر ويهديه إلى الشقوة.

وقوله:"إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون"تأكيدا آخر للنهي ، وليست ولايتهم وتصرفهم في الإنسان إلا ولاية الفتنة والغرور فإذا افتتن واغتر بهم تصرفوا بما شاءوا وكما أرادوا كما قال تعالى مخاطبا لإبليس:"و استفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا": إسراء: 65 ، وقال:"إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون": النحل: 99 ، وقال:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42.

ومن الآيات بانضمامها إلى آيتنا المبحوث عنها يظهر أن لا ولاية لهم على المؤمنين وإن مسهم طائف منهم أحيانا ، وأن لا سلطان له على المتوكلين من المؤمنين وهم الذين عدهم الله عبادا له بقوله:"عبادي"فلا ولاية له إلا على الذين لا يؤمنون.

والظاهر أن المراد به عدم الإيمان بآيات الله بتكذيبها وهو أخص من وجه من عدم الإيمان بالله الذي هو الكفر بالله بشرك أو نفي ، وذلك لأن هذا الكفر هو المذكور في الخطاب العام الذي في ذيل القصة من سورة البقرة حيث قال تعالى:"قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى - إلى أن قال - والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": البقرة 39 ، وفي ذيل هذه الآيات من هذه السورة حيث قال:"و الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون": الأعراف: 36.

قوله تعالى:"و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها"إلى آخر الآية ، رجوع من الخطاب العام لبني آدم إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة ليتوسل به إلى انتزاع خطابات خاصة يوجهها إلى أمته كما جرى نظيره من الالتفات في الخطاب المتقدم يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا حيث قال:"ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون"لنظير الغرض.

وبالجملة فقد استخرج من هذا الأصل الثابت في قصة الجنة وهو أمر ظهور السوآت الذي أفضى إلى خروج آدم وزوجته من الجنة أن الله لا يرضى بالفحشاء الشنيعة من أفعال بني آدم ، فذكر إتيان المشركين بالفحشاء واستنادهم في ذلك إلى عمل آبائهم وأمر الله سبحانه بها فأمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرد عليهم بأن الله لا يأمر بالفحشاء ، ويذكرهم أن ذلك من القول على الله بغير علم والافتراء عليه ، كيف لا؟ وقصة الجنة شاهدة عليه.

وقد ذكر لهم في فعلهم الفحشاء عذرين يعتذرون بهما ومستندين يستندون إليهما وهما فعل آبائهم وأمر الله إياهم بها ، وكان الثاني هو الذي يرتبط بالخطاب العام المستخرج من قصة الجنة فقط ، ولذلك تعرض لدفعه ورده عليهم ، وأما استنادهم إلى فعل آبائهم فذلك وإن لم يكن مما يرتضيه الله سبحانه وقد رده في سائر كلامه بمثل قوله:"أ ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون"فلم يتعرض لرده هاهنا لخروجه عن غرض الكلام.

وقد ذكر جمع من المفسرين أن قوله:"و إذا فعلوا فاحشة"إلخ ، إشارة إلى ما كان معمولا عند أهل الجاهلية من الطواف بالبيت الحرام عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا ولا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب ، ونقل عن الفراء أنهم كانوا يعملون شيئا من سيور مقطعة يشدونهم على حقويهم يسمى حوفا وإن عمل من صوف سمي رهطا وكانت المرأة تضع على قبلها نسعة أو شيئا آخر فتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله.

وما بدا منه فلا أحله.

ولم يزل دائرا بينهم حتى منعهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الفتح حين بعث عليا (عليه السلام) بآيات البراءة إلى مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت