و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعض المسلمين كانوا يعيبونهم على ذلك فيعتذرون إليهم بقولهم:"وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها"فرد الله سبحانه عليهم وذمهم بقوله:"إن الله لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على الله ما لا تعلمون".
وليس ما ذكروه ببعيد وفي الآية بعض التأييد له حيث وصفت ما كانوا يفعلونه بالفحشاء وهي الأمر الشنيع الشديد القبح ثم ذكرت أنهم كانوا يعتذرون بأن الله أمرهم بذلك.
ولازم ذلك أن يكون ما فعلوه أمرا شنيعا أتوا به في صفة العبادة والنسك كالطواف عاريا ، والآية مع ذلك الفحشاء فتصلح أن تنطبق على فعلهم ذلك ، وعلى مصاديق أخرى ما أكثر وجودها بين الناس وخاصة في زماننا الذي نعيش فيه.
قوله تعالى:"قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين"لما نفت الآية السابقة أن يأمر الله سبحانه بالفحشاء وذكرت أن ذلك افتراء عليه وقول بغير علم لعدم انتهائه إلى وحي ما أوحى به الله بادرت هذه الآية إلى ذكر ما أمر به وهو لا محالة أمر يقابل ما استشنعته الآية السابقة وعدته فحشاء لما فيه من بلوغ القبح والإفراط والتفريط فقال:"قل أمر ربي بالقسط"إلخ.
والقسط على ما ذكره الراغب هو النصيب بالعدل كالنصف والنصفة قال:"ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط""و أقيموا الوزن بالقسط"والقسط هو أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور والإقساط أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ولذلك قيل: قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل قال:"و أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا"وقال:"و أقسطوا إن الله يحب المقسطين"انتهى كلامه.
فالمراد: قل أمر ربي بالنصيب العدل ولزوم وسط الاعتدال في الأمور كلها وأن تجتنبوا جانبي الإفراط والتفريط فأقسطوا وأنيبوا وأقروا نفوسكم عند كل معبد تعبدون الله فيه وادعوه بإخلاص الدين له من غير أن تشركوا بعبادته صنما أو أحدا من آبائكم وكبرائكم بالتقليد لهم وهذا هو القسط في العبادة.
فقوله:"و أقيموا وجوهكم عند كل مسجد"معطوف ظاهرا على مقول القول لأن معنى أمر ربي بالقسط: أقسطوا ، فيكون التقدير: أقسطوا وأقيموا إلخ ، والوجه هو ما يتوجه به إلى الشيء ، وهو في حال تمام النفس الإنسانية ، وإقامتها عندها إيجاد القيام بالأمر لها أي إيفاؤه والإتيان به كما ينبغي تاما غير ناقص فيئول معنى إقامة الوجه عند العبادة إلى الاشتغال بالعبادة والانقطاع عن غيرها فيفيد قوله:"و أقيموا وجوهكم عند كل مسجد"إذا انضم إليه قوله:"و ادعوه مخلصين له الدين"وجوب الانقطاع للعبادة عن غيرها ولله سبحانه عن غيره كما عرفت ومن الغير الذي يجب الانقطاع عنه إلى الله سبحانه نفس العبادة ، وإنما العبادة توجه لا متوجه إليها ، والتوجه إليها يبطل معنى كونها عبادة وتوجها إلى الله فيجب أن لا يذكر الناسك في نسكه إلا ربه وينسى غيره.
وللمفسرين في معنى قوله:"و أقيموا وجوهكم"إلخ ، أقوال أخر منها: أن المعنى: توجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة.
ومنها: أن المعنى توجهوا في أوقات السجود وهي أوقات الصلاة إلى الجهة التي أمركم الله بها وهي الكعبة.
ومنها إذا أدركتم الصلاة في مسجد فصلوا ولا تقولوا حتى أرجع إلى مسجدي.
ومنها: أن المعنى: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمر فيها بالجماعة.
ومنها: أن المعنى: أخلصوا وجوهكم لله بالطاعة فلا تشركوا وثنا ولا غيره.
والوجوه المذكورة على علاتها وإباء الآية عنها لا تناسب الثلاثة الأول منها حال المسلمين في وقت نزول السورة وهي مكية ولم تكن الكعبة قبلة يومئذ ، ولا كانت للمسلمين مساجد مختلفة متعددة ، وآخر الوجوه وإن كان قريبا مما قدمناه إلا أنه ناقص في بيان الإخلاص المستفاد من الآية ، وما تضمنه إنما هي معنى قوله تعالى:"و ادعوه مخلصين له الدين"لا قوله:"و أقيموا"إلخ ، كما تقدم.
قوله تعالى:"كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة"إلى آخر الآية.