ظاهر السياق أن يكون قوله"فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة"حالا من فاعل"تعودون"ويكون هو الوجه المشترك الذي شبه فيه العود بالبدء ، والمعنى تعودون فريقين كما بدأكم فريقين نظير قوله تعالى:"و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة": الأنعام: 94 ، والمعنى لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة فرادى.
فهذا هو الظاهر المستفاد من الكلام ، وأما كون"فريقا هدى"إلخ ، حالا لا يعدو عامله ، ووجه الشبه بين البدء والعود أمرا آخر غير مذكور ككونهم فرادى بدءا وعودا أو كون الخلق الأول والثاني جميعا من تراب أو كون البعث مثل الإنشاء في قدرة الله إلى غير ذلك مما احتملوه فوجوه بعيدة عن دلالة الآية ، وأي فائدة في حذف وجه الشبه من الذكر وذكر ما لا حاجة إليه مع وقوع اللبس ، وسيجيء إن شاء الله توضيح ذلك.
وظاهر البدء في قوله:"بدأكم"أول خلقة الإنسان الدنيوية لا مجموع الحياة الدنيوية قبال الحياة الأخروية فيكون البدء هو الحياة الدنيا والعود هو الحياة الأخرى فيكون المعنى كنتم في الدنيا مخلوقين له هدى فريقا منكم وحقت الضلالة على فريق آخر كذلك تعودون كما يئول إليه قول من قال:"إن معنى الآية: تبعثون على ما متم عليه: المؤمن على إيمانه ، والكافر على كفره".
وذلك أن ظاهر البدء إذا نسب إلى شيء ذي امتداد واستمرار بوجه أن يقع على أقدم أجزاء وجوده الممتد المستمر لا على الجميع ، والخطاب للناس فبدؤهم أول خلقة النوع الإنساني وبدء ظهوره.
على أن الآية من تتمة الآيات التي يبين الله سبحانه فيها بدء إيجاده الإنسان بمثل قوله:"و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"إلخ ، فالمراد به كيفية البدء التي قصها في أول كلامه ، وقد كان من القصة أن الله قال لإبليس لما رجمه:"اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين"وفيه قضاء أن ينقسم بنو آدم فريقين فريقا مهتدين على الصراط المستقيم ، وفريقا ضالين حقا فهذا هو الذي بدأهم به وكذلك يعودون.
وقد بين ذلك في مواضع أخر من كلامه أوضح من ذلك وأصرح كقوله:"قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 ، وهذا قضاء حتم وصراط مستقيم إن الناس طائفتان طائفة ليس لإبليس عليهم سلطان وهم الذين هداهم الله ، وطائفة متبعون لإبليس غاوون وهم المقضي ضلالهم لاتباعهم الشيطان وتوليهم إياه قال:"كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله": الحج: 4 ، وإنما قضي ضلالهم إثر اتباعهم وتوليهم لا بالعكس كما هو ظاهر الآية.
ونظيره في ذلك قوله تعالى:"قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 ، فإنه يدل على أن هناك قضاء بتفرقهم فريقين ، وهذا التفرق هو الذي فرع تعالى عليه قوله إذ قال:"قال اهبطا منها... فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"إلخ: ، طه: 124 وهو عمى الضلال.
وبعد ذلك كله فمن الممكن أن يكون قوله:"كما بدأكم تعودون"إلخ ، في مقام التعليل لمضمون الكلام السابق والمعنى: أقسطوا في أعمالكم وأخلصوا لله سبحانه فإن الله سبحانه إذ بدأ خلقكم قضى فيكم أن تتفرقوا فريقين فريقا يهديهم وفريقا يضلون عن الطريق وستعودون إليه كما بدأكم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة بتولي الشياطين فأقسطوا وأخلصوا حتى تكونوا من المهتدين بهداية الله لا الضالين بولاية الشياطين.
فيكون الكلام جاريا مجرى قوله تعالى:"و لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا": البقرة: 148 فإنه في عين أنه بين أولا أن لكل وجهة خاصة محتومة هو موليها لا يتخلف عنه إن سعادة فسعادة وإن شقاوة فشقاوة أمرهم ثانيا أن استبقوا الخيرات ، ولا يستقيم الأمر مع تحتم إحدى المنزلتين: السعادة والشقاوة لكن الكلام في معنى قولنا: إن كلا منكم لا محيص له عن وجهة متعينة في حقه لازمة له إما الجنة وإما النار فاستبقوا الخيرات حتى تكونوا من أهل وجهة السعادة دون غيرها.