و كذلك الأمر فيما نحن فيه فالكلام في معنى قولنا: إنكم ستعودون فريقين كما بدأكم فريقين بقضائه فأقسطوا في أعمالكم وأخلصوا لله سبحانه حتى تكونوا من الفريق الذي هدى دون الفريق الذي حق عليهم الضلالة.
ومن الممكن أن يكون قوله:"كما بدأكم"إلخ ، كلاما مستأنفا وهو مع ذلك لا يخلو عن تلويح بالدعوة إلى الأقساط والإخلاص على ما يتبادر من السياق.
وأما قوله:"إنهم اتخذوا الشياطين أولياء"فهو تعليل لثبوت الضلالة ولزومها لهم في قوله:"حق عليهم الضلالة"كان كلمة الضلال والخسران صدرت من مصدر القضاء في حقهم مشروطا بولاية الشيطان كما يذكره في قوله:"كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله": الحج: 4.
فلما تولوا الشياطين في الدنيا حقت عليهم الضلالة ولزمتهم لزوما لا انفكاك بعده أبدا وهذا نظير ما يستفاد من قوله:"و قيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين": حم السجدة: 25.
وأما قوله:"و يحسبون أنهم مهتدون"فهو كعطف التفسير بالنسبة إلى الجملة السابقة يفسر به معنى تحقق الضلالة ولزومها فإن الإنسان مهما ركب غير طريق الحق واعتنق الباطل وهو يعترف بأنه من الباطل ولما ينس الحق أوشك أن يعود إلى الحق الذي فارقه وكان مرجوا أن ينتزع عن ضلاله إلى الهدى أما إذا اعتقد حقية الباطل الذي هو عليه ، وحسب أنه على الهدى وهو في ضلال فقد استقر فيه شيمة الغي وحقت عليه الضلالة ولا يرجى معه فلاح أبدا.
فقوله:"و يحسبون أنهم مهتدون"كالتفسير لتحقق الضلالة لكونه من لوازمه ، وقد قال تعالى في موضع آخر:"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا": الكهف: 104 ، وقال تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة: 7."
وإنه الإنسان يسير على الفطرة ويعيش على الخلقة لا ينقاد إلا للحق ولا يخضع إلا للصدق ولا يريد إلا ما فيه خيره وسعادته غير أنه إذا شمله التوفيق وكان على الهدى طبق ما يطلبه ويقصده على حقيقة مصداقه ولم يعبد إلا الله وهو الحق الذي يطلبه ولم يرد إلا الحياة الدائمة الخالدة وهي السعادة التي يقصدها ، وإذا ضل عن الصراط انتكس وجهه من الحق إلى الباطل ومن الخير إلى الشر ومن السعادة إلى الشقاء فيتخذ إلهه هواه ، ويعبد الشيطان ، ويخضع للأوثان ، وأخلد إلى الأرض ، وتعلق بالزخارف المادية الدنيوية وتبصر إليها لكنه إنما يعمل ما يعمل بإذعان أنه هكذا ينبغي أن يعمل وحسبان أنه مهتد في عمله فيأخذ بالباطل بعنوان أنه حق ، ويركن إلى الشر أو الشقاء بعنوان أنه خير وسعادة فالإدراك الفطري محفوظ له غير أنه يطبقه في مقام العمل على غير مصداقه.
قال تعالى:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها": النساء: 47 ، وأما إنسان يتبع الباطل بما هو باطل ، ويقصد الشقاء والخسران بما هو شقاء وخسران فمن المحال ذلك.
قال تعالى:"فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله": الروم: 30 وشيء من العلل والأسباب ومنها الإنسان لا يريد غاية ولا يفعل فعلا إلا إذا كان ملائما لنفسه حاملا لما فيه نفعه وسعادته ، وما ربما يتراءى من خلاف فإنما هو في بادىء النظر لا بحسب الحقيقة وفي نفس الأمر.
هذا كله ما يقتضيه التدبر وإيفاء النظر من معنى قوله"كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة"إلخ ، وهو يدور مدار كون"فريقا هدى"إلخ ، حالا مبينا لوجه الشبه والمعنى المشترك بين البدء والعود سواء أخذنا الكلام مستأنفا أو واقعا موقع التعليل متصلا بما قبله.
وأما جمهور المفسرين فكأنهم متسالمون على أن قوله:"فريقا هدى"حال مبين لكيفية العود فحسب دون العود والبدء جميعا ، وأن المعنى المشترك الذي هو وجه تشبيه العود بالبدء أمر آخر وراءه إلا من فسر البدء بالحياة الدنيا والخلق الأول كما تقدم وسيجيء ، وكان ذلك فرارا منهم عن لزوم الجبر المبطل للاختيار مع احتفاف الكلام بالأوامر والنواهي ، وقد عرفت أن ذلك غير لازم.