فهرس الكتاب

الصفحة 1593 من 4314

و بالجملة فقد اختلفوا في وجه اتصال الكلام بما قبله بعد التسالم على ذلك فمن قائل: أنه إنذار بالبعث تأكيدا للأحكام المذكورة سابقا ، واحتجاج عليه بالبدء فالمعنى: ادعوه مخلصين فإنكم مبعوثون مجازون ، وإن بعد ذلك في عقولكم فاعتبروا بالابتداء واعلموا أنه كما بدأكم في الخلق الأول فإنه يبعثكم فتعودون في الخلق الثاني.

وفيه أنه مبني على أن تشبيه العود بالبدء في تساويهما بالنسبة إلى قدرة الله ، وأن النكتة في التعرض لذلك هو الإنذار بالمجازاة ، والسياق المناسب لهذا الغرض أن يقال: كما بدأكم يبعثكم فيجازيكم بوضع بعثه تعالى موضع عود الناس والتصريح بالمجازاة التي هي العمدة في الغرض المسوق لأجله الكلام كما صنع ذلك القائل نفسه فيما ذكره من المعنى ، والآية خالية من ذلك.

ومن قائل: أنه احتجاج على منكري البعث ، واتصاله بقوله تعالى قبل عدة آيات:"فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون".

فقوله:"كما بدأكم تعودون"معناه فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.

وفيه: ما في الوجه السابق على أنه تحكم من غير دليل.

ومن قائل: أنه كلام مستأنف.

وقد تقدم ذكره.

ومن قائل: أنه متصل بما سبقه ، والمعنى: أخلصوا لله في حياتكم فإنكم تبعثون على ما متم عليه: المؤمن على إيمانه ، والكافر على كفره.

وفيه: أنه مبني على كون المراد بالبدء هو مجموع الحياة الدنيا في قبال الحياة الآخرة ثم تشبيه بالعود وهو الحياة الآخرة بآخر الحياة الأولى المسماة بعثا ، والآية - كما تقدم - بمعزل عن الدلالة على هذا المعنى.

قوله تعالى:"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد"إلى آخر الآية.

قال الراغب: السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان ، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر ، انتهى.

أخذ الزينة عند كل مسجد هو التزين الجميل عند الحضور في المسجد ، وهو إنما يكون بالطبع للصلاة والطواف وسائر ذكر الله فيرجع المعنى إلى الأمر بالتزين الجميل للصلاة ونحوها ، ويشمل بإطلاقه صلوات الأعياد والجماعات اليومية وسائر وجوه العبادة والذكر.

وقوله:"و كلوا واشربوا ولا تسرفوا"إلخ ، أمران إباحيان ونهي تحريمي معلل بقوله:"إنه لا يحب المسرفين"والجميع مأخوذة من قصة الجنة كما مرت الإشارة إليه ، وهي كما تقدم خطابات عامة لا تختص بشرع دون شرع ولا بصنف من أصناف الناس دون صنف.

ومن هنا يعلم فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله:"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد"إلخ يدل على بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جميع البشر ، وأن الخطاب يشمل النساء بالتبع للرجال شرعا لا لغة انتهى.

نعم تدل الآية على أن هناك أحكاما عامة لجميع البشر برسالة واحدة أو أكثر ، وأما شمول الحكم للنساء فبالتغليب في الخطاب والقرينة العقلية قائمة.

قوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"هذا من استخراج حكم خاص - بهذه الأمة - من الحكم العام السابق عليه بنوع من الالتفات نظير ما تقدم في قوله:"ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون"وقوله وإذا فعلوا فاحشة"الآية."

والاستفهام إنكاري ، والزين يقابل الشين وهو ما يعاب به الإنسان فالزينة ما يرتفع به العيب ويذهب بنفرة النفوس ، والإخراج كناية عن الإظهار واستعارة تخييلية كأن الله سبحانه بإلهامه وهدايته الإنسان من طريق الفطرة إلى إيجاد أنواع الزينة التي يستحسنها مجتمعة ويستدعي انجذاب نفوسهم إليه وارتفاع نفرتهم واشمئزازهم عنه يخرج لهم الزينة وقد كانت مخبية خفية فأظهرها لحواسهم.

ولو كان الإنسان يعيش في الدنيا وحده في غير مجتمع من أمثاله لم يحتج إلى زينة يتزين بها قط ولا تنبه للزوم إيجادها لأن ملاك التنبه هو الحاجة.

لكنه لما لم يسعه إلا الحياة في مجتمع من الأفراد وهم يعيشون بالإرادة والكراهة والحب والبغض والرضى والسخط فلا محيص لهم من العثور على ما يستحسنونه وما يستقبحونه من الهيئات والأزياء فيلهمهم المعلم الغيبي من وراء فطرتهم بما يصلح ما فسد منهم ويزين ما يشين منهم وهو الزينة بأقسامها ، ولعل هذا هو النكتة في خصوص التعبير بقوله:"لعباده".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت