و هذه المسماة بالزينة من أهم ما يعتمد عليه الاجتماع الإنساني ، وهي من الآداب العريقة التي تلازم المجتمعات وتترقى وتتنزل على حسب تقدم المدنية والحضارة ولو فرض ارتفاعها من أصلها في مجتمع من المجتمعات انهدم الاجتماع وتلاشت أجزاؤه من حينه لأن معنى بطلانها ارتفاع الحسن والقبح والحب والبغض والإرادة والكراهة وأمثالها من بينهم ، ولا مصداق للاجتماع الإنساني عندئذ فافهم ذلك.
ثم الطيبات من الرزق - والطيب هو الملائم للطبع - هي الأنواع المختلفة مما يرتزق به الإنسان بالتغذي منه ، أو مطلق ما يستمد به في حياته وبقائه كأنواع المطعم والمشرب والمنكح والمسكن ونحوها ، وقد جهز الله سبحانه الإنسان بما يحس بحاجته إلى أقسام الرزق ويستدعي تناولها بأنواع من الشهوات الهائجة في باطنه إلى ما يلائمها مما يرفع حاجته وهذا هو الطيب والملاءمة الطبيعية.
وابتناء حياة الإنسان السعيدة على طيبات الرزق غني عن البيان فلا يسعد الإنسان في حياته من الرزق إلا بما يلائم طباع قواه وأدواته التي جهز بها ويساعده على بقاء تركيبه الذي ركب به ، وما جهز بشيء ولا ركب من جزء إلا لحاجة له إليه فلو تعدى في شيء مما يلائم فطرته إلى ما لا يلائمها طبعا اضطر إلى تتميم النقص الوارد عليه في القوة المربوطة به إلى صرف شيء من سائر القوى فيه كالمنهوم الشره الذي يفرط في الأكل فيصيبه آفات الهضم.
فيضطر إلى استعمال الأدوية المصلحة لجهاز الهضم والمشهية للمعدة ولا يزال يستعمل ويفرط حتى يعتاد بها فلا تؤثر فيه فيصير إنسانا عليلا تشغله العلة عن عامة واجبات الحياة ، وأهمها الفكر السالم الحر وعلى هذا القياس.
والتعدي عن طيب الرزق يبدل الإنسان إلى شيء آخر لا هو مخلوق لهذا العالم ولا هذا العالم مخلوق له وأي خير يرجى في إنسان يتوخى أن يعيش في ظرف غير ظرفه الذي أعده له الكون ، ويسلك طريقا لم تهيئه له الفطرة ، وينال غاية غير غايته وهو أن يتوسع بالتمتع بكل ما تزينه له الشهوة والشره ، ويصوره له الخيال بآخر ما يقدر وأقصى ما يمكن.
والله سبحانه يذكر في هذه الآية أن هناك زينة أخرجها لعباده وأظهرها وبينها لهم من طريق الإلهام الفطري ، ولا تلهم الفطرة إلا بشيء قامت حاجة الإنسان إليه بحسبها.
ولا دليل على إباحة عمل من الأعمال وسلوك طريق من الطرق أقوى من الحاجة إليه بحسب الوجود والطبيعة الذي يدل على أن الله سبحانه هو الرابط بين الإنسان المحتاج وبين ما يحتاج إليه بما أودع في نفسه من القوى والأدوات الباعثة له إليه بحسب الخلقة والتكوين.
ثم يذكر بعطف الطيبات من الرزق على الزينة في حيز الاستفهام الإنكاري أن هناك أقساما من الرزق طيبة ملائمة لطباع الإنسان يشعر بطيبه من طريق قواه المودعة في وجوده ، ولا يشعر بها ولا يتنبه لها إلا لقيام حاجته في الحياة إليها وإلى التصرف فيها تصرفا يستمد به لبقائه ، ولا دليل على إباحة شيء من الأعمال أقوى من الحاجة الطبيعية والفقر التكويني إليه كما سمعت.
ثم يذكر بالاستفهام الإنكاري أن إباحة زينة الله والطيبات من الرزق مما لا ينبغي أن يرتاب فيها فهو من إمضاء الشرع لحكم العقل والقضاء الفطري.
وإباحة الزينة وطيبات الرزق لا تعدو مع ذلك حد الاعتدال فيها والوسط العدل بين الإفراط والتفريط فإن ذلك هو الذي يقضي به الفطرة ، وقد قال الله سبحانه في الآية السابقة:"و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"وقال فيما قبل ذلك:"قل أمر ربي بالقسط".
ففي التعدي إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط من تهديد المجتمع الإنساني بالانحطاط ، وفساد طريق السعادة ما في انثلام ركن من أركان البناء من تهديده بالانهدام فقلما ظهر فساد في البر والبحر وتنازع يفضي إلى الحروب المبيدة للنسل المخربة للمعمورة إلا عن إتراف الناس وإسرافهم في أمر الزينة أو الرزق ، وهو الإنسان إذا جاوز حد الاعتدال ، وتعدى ما خط له من وسط الجادة ذهب لوجهه لا يقف على حد ولا يلوي على شيء فمن الحري أن لا يرفع عنه سوط التربية ويذكر حتى بأوضح ما يقضي به عقله ، ومن هذا القليل الأمر الإلهي بضروريات الحياة كالأكل والشرب واللبس والسكنى وأخذ الزينة.