فهرس الكتاب

الصفحة 1595 من 4314

قال صاحب المنار ، في بعض كلامه - وما أجود ما قال: - وإنما يعرفها - يعني قيمة الأمر بأخذ الزينة مع بساطته ووضوحه - من قراء تواريخ الأمم والملل ، وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في الحرجات والغابات أفرادا وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات ، والقبائل الكثيرة الوثنية في بعض جزائر البحار وجبال إفريقيا كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا ، وأن الإسلام ما وصل إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب بإيجابه للستر والزينة إيجابا شرعيا.

ولما أسرف بعض دعاة النصرانية الأوروبيين في الطعن في الإسلام لتنفير أهله منه وتحويلهم إلى ملتهم ولتحريض أوربا عليهم رد عليهم بعض المنصفين منهم فذكر في رده أن في انتشار الإسلام في إفريقيا منة على أوربا بنشره للمدنية في أهلها بحملهم على ترك العرى وإيجابه لبس الثياب الذي كان سببا لرواج تجارة النسج الأوروبية فيهم.

بل أقول: إن بعض الأمم الوثنية ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب فيها معيشة العرى حتى إذا ما اهتدى بعضهم بالإسلام صاروا يلبسون ويتجملون ثم صاروا يصنعون الثياب وقلدهم جيرانهم من الوثنيين بعض التقليد.

هذه بلاد الهند على ارتقاء حضارة الوثنيين فيها قديما وحديثا لا يزال ألوف الألوف من نسائهم ورجالهم عراة أو أنصاف أو أرباع عراة فترى بعض رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر إلا السوأتين - ويسمونهما"سبيلين"وهي الكلمة العربية التي يستعملها الفقهاء في باب نواقض الوضوء - أو ساتر لنصفه الأسفل فقط وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف الأعلى من الجسم كله أو بعضه ، وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأن المسلمين هم الذين علموهم لبس الثياب ، والأكل في الأواني ولا يزال أكثر فقرائهم يضعون طعامهم على ورق الشجر ويأكلون منه ، ولكنهم خير من كثير من الوثنيين سترا وزينة لأن المسلمين كانوا حكامهم ، وقد كانوا ولا يزالون من أرقى مسلمي الأرض علما وعملا وتأثيرا في وثني بلادهم.

وأما المسلمون في بلاد الشرق التي يغلب عليها الجهل فهم أقرب إلى الوثنية منهم إلى الإسلام في اللباس وكثير من الأعمال الدينية ، ومنهم نساء مسلمي"سيام"اللاتي لا ترين في أنفسهن عورة إلا السوأتين كما بين هذا من قبل فحيث يقوى الإسلام يكون الستر والزينة اللائقة بكرامة البشر ورقيهم.

فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الإصلاحي في الإسلام ولو لا أن جعل هذا الدين المدني الأعلى أخذ الزينة من شرع الله أوجبه على عباده لما نقل أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية الفاحشة إلى المدنية الراقية ، وإنما يجهل هذا الفضل له من يجهل التاريخ وإن كان من أهله بل لا يبعد أن يوجد في متحذلقة المتفرنجين من يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متكئا مميلا طربوشه على رأسه يقول: ما معنى جعل أخذ زينة اللباس من أمور الدين؟ وهو من لوازم البشر لا يحتاجون فيه إلى وحي إلهي ولا شرع ديني ، وقد يقول مثل هذا في قوله تعالى:"كلوا واشربوا"انتهى.

ومما يناسب المقام ما روي: أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال ذات يوم لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء ، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان! فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية وهو قوله:"كلوا واشربوا ولا تسرفوا"وجمع نبينا الطب في قوله:"المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء ، وأعط كل بدن ما عودته"فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.

قوله تعالى:"قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة"لا ريب أن الخطاب في صدر الآية إما لخصوص الكفار أو يعمهم والمؤمنين جميعا كما يعمهم جميعا ما في الآية السابقة من الخطاب بقوله:"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"ولازمه أن تكون الزينة وطيبات الرزق موضوعة على الشركة بين الناس جميعا ، مؤمنهم وكافرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت