فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 4314

فقوله:"قل هي للذين آمنوا"إلخ ، مسوق لبيان ما خص الله سبحانه به المؤمنين من عباده من الكرامة والمزية ، وإذ قد اشتركوا في نعمه في الدنيا فهي خالصة لهم في الآخرة ، ولازم ذلك أن يكون قوله:"في الحياة الدنيا"متعلقا بقوله:"آمنوا"وقوله:"يوم القيامة"متعلقا بما تعلق به قوله:"للذين آمنوا"وهو قولنا كائنة أو ما يقرب منه ،"و خالصة"حال عن الضمير المؤنث وقدمت على قوله:"يوم القيامة"لتكون فاصلة بين قوليه:"في الحياة الدنيا"و"يوم القيامة"والمعنى: قل هي للمؤمنين يوم القيامة وهي خالصة لهم لا يشاركهم فيها غيرهم كما شاركوهم في الدنيا فمن آمن في الدنيا ملك نعمها يوم القيامة.

وبهذا البيان يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالخلوص إنما هو الخلوص من الهموم والمنغصات والمعنى: هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقة ، وهي خالصة يوم القيامة من ذلك.

وذلك أنه ليس في سياق الآية ولا في سياق ما تقدمها من الآيات إشعار باحتفاف النعم الدنيوية بما ينغص عيش المتنعمين بها ويكدرها عليهم حتى يكون قرينة على إرادة ما ذكره من معنى الخلوص.

وكذا ما في قول بعض آخر: إن قوله:"في الحياة الدنيا"متعلق بما تعلق به قوله"للذين آمنوا"والمعنى: هي ثابتة للذين آمنوا بالأصالة والاستحقاق في الحياة الدنيا ، ولكن يشاركهم غيرهم فيها بالتبع لهم وإن لم يستحقها مثلهم ، وهي خالصة لهم يوم القيامة - أو حال كونها خالصة لهم يوم القيامة فقد قرأ نافع"خالصة"بالرفع على أنها خبر والباقون بالنصب على الحالية - وذلك أن المؤمنين هم الذين ينتهي إليهم العلوم النافعة في الحياة الصالحة ، والأوامر المحرضة لإصلاح الحياة بأخذ الزينة والارتزاق بالطيبات والقيام بواجبات المعاش ثم التفكر في آيات الآفاق والأنفس المؤدي إلى إيجاد الصناعات والفنون المستخدمة في الرقي في المدنية والحضارة ، ومعرفة قدرها والشكر عليها.

كل ذلك من طريق الوحي والنبوة.

وجه فساده: أنه إن أراد أن ما ذكره من الأصالة والتبعية هو مدلول الآية فمن الواضح أن الآية أجنبية عن الدلالة على ذلك ، وإن أراد أن الآية تفيد أن النعم الدنيوية للمؤمنين ثم بينت مشاركة الكفار لهم فيها وأن ذلك بالأصالة والتبعية فقد عرفت أن الآية لا تدل إلا على اشتراك الطائفتين معا في النعم الدنيوية لا اختصاص المؤمنين بها في الدنيا فأين حديث الأصالة والتبعية.

بل ربما كان الظاهر من أمثال قوله:"و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون - إلى أن قال - وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين": الزخرف: 35 ، خلاف ذلك وأن زهرة الحياة الدنيا أجدر أن يخصوا به.

وقد امتن الله تعالى في ذيل الآية على أهل العلم بتفصيل البيان إذ قال:"كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون".

قوله تعالى:"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن"إلى آخر الآية ، قد تقدم البحث المستوفى عن مفردات الآية فيما مر ، وإن الفواحش هي المعاصي البالغة قبحا وشناعة كالزنا واللواط ونحوهما ، والإثم هو الذنب الذي يستعقب انحطاط الإنسان في حياته وذلة وهوانا وسقوطا كشرب الخمر الذي يستعقب للإنسان تهلكة في جاهه وماله وعرضه ونفسه ونحو ذلك ، والبغي هو طلب الإنسان ما ليس له بحق كأنواع الظلم والتعدي على الناس والاستيلاء غير المشروع عليهم ، ووصفه بغير الحق من قبيل التوصيف باللازم نظير التقييد الذي في قوله:"ما لم ينزل به سلطانا".

وكان إلقاء الخطاب بإباحة الزينة وطيبات الرزق داعيا لنفس السامع إلى أن يحصل على ما حرمه الله فألقى الله سبحانه في هذه الآية جماع القول في ذلك ، ولا يشذ عما ذكره شيء من المحرمات الدينية ، وهي تنقسم بوجه إلى قسمين: ما يرجع إلى الأفعال وهي الثلاثة الأول ، وما يرجع إلى الأقوال والاعتقادات وهو الأخيران ، والقسم الأول منه ما يرجع إلى الناس وهو البغي بغير الحق ، ومنه غيره وهو إما ذو قبح وشناعة فالفاحشة ، وإما غيره فالإثم ، والقسم الثاني إما شرك بالله أو افتراء على الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت