و أما الروايات فإنها - كما ترى - في معناها تعود قسمين: أحدهما: ما يذكر أن الماءين العذب الفرات والملح الأجاج أجريا على الطين الذي خلق منه الإنسان فاختلف الطين باختلاف الماء ، وهذا القسم يرجع إلى الصنف المتقدم من الأخبار الدالة على أن اختلاف الخلقة يعود إلى اختلاف الطينة المأخوذة لها فالكلام فيه كالكلام في أخبار الطينة وقد قدمناه.
وثانيهما: ما دل على أن الخلقة أعم من خلقة الإنسان وغيره ، حتى الجنة والنار تنتهي إلى الماء ثم اختلاف الماء منشأ لاختلاف الناس في السعادة والشقاوة أما اختلاف الخلقة باختلاف العذوبة والملوحة فيعود أيضا إلى القسم الأول ويجري فيه الكلام السابق فإن القسم الأول من هذه الأخبار يعود كالمفسر لهذا القسم الثاني ثم هما معا كالمفسر لأخبار الطينة السابقة.
وأما انتهاء الخلقة إلى أصل أولي هو الماء فسيجيء البحث فيه فيما يناسبه من المحل إن شاء الله العزيز.
ومنها: ما دل على أن الاختلاف يعود إلى اختلاف الخلقة من النور والظلمة كما في العلل ، عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى خلقنا من نور مبتدع من نور سنخ ذلك النور في طينة من أعلى عليين ، وخلق قلوب شيعتنا مما خلق منه أبداننا ، وخلق أبدانهم من طينة دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه ، ثم قرأ"كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين - وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون". وإن الله تبارك وتعالى خلق قلوب أعدائنا من طينة من سجين ، وخلق أبدانهم من دون ذلك ، وخلق قلوب شيعتهم مما خلق منه أبدانهم فقلوبهم تهوي إليهم ، ثم قرأ:"إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين - كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين". أقول: وفي معناه روايات أخر ، وهو في الحقيقة راجع إلى ما تقدم من الروايات الدالة على انتهاء الخلقة إلى طينة عليين وطينة سجين ، وإنما يصير بعد خلقه من هذه الطينة نورا وظلمة ، ولعل ذلك لكون طينة السعادة مما يظهر به الحق وتنجلي به المعرفة بخلاف طينة الشقاوة الملازمة للجعل الذي هو ظلمة وعمى فطينة السعادة نور ، وكثيرا ما يسمي القرآن العلم والهدى نورا كما يسمي الإيمان حياة قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122.
وقال:"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات": البقرة: 257 ، وفي كون النور أصلا لخلقة طائفة من الموجودات كالأنبياء والملائكة واللوح والقلم والعرش والكرسي والجنة أخبار كثيرة أخرى سيأتي بعضها فيما سيأتي إن شاء الله.
ومنها: ما دل على لحوق حسنات الأشقياء بالسعداء يوم القيامة وبالعكس كما في العلل ، بإسناده عن إبراهيم الليثي عن الباقر (عليه السلام) في حديث طويل: ثم قال: أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان أ هو بائن من القرص؟ قلت: في حال طلوعه بائن. قال أ ليس إذا غابت الشمس اتصل ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه؟ قلت: نعم. قال: كذلك يعود كل شيء إلى سنخه وجوهره وأصله فإذا كان يوم القيامة نزع الله عز وجل سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلها بالناصب ، وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته وأبواب بره واجتهاده من الناصب فيلحقها كلها بالمؤمن. أ فترى هاهنا ظلما وعدوانا؟ قلت: لا يا ابن رسول الله. قال: هذا والله القضاء الفاصل والحكم القاطع ، والعدل البين ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون هذا يا إبراهيم الحق من ربك فلا تكن من الممترين ، هذا من حكم الملكوت. قلت: يا ابن رسول الله وما حكم الملكوت؟ قال: حكم الله وحكم أنبيائه وقصة الخضر وموسى حين استصحبه فقال: إنك لن تستطيع معي صبرا - وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا افهم يا إبراهيم واعقل ، أنكر موسى على الخضر واستفظع أفعاله حتى قال له الخضر: يا موسى ما فعلته عن أمري ، وإنما فعلته عن أمر الله عز وجل الحديث.