أقول: الرواية تبني البيان على قوله تعالى:"ليميز الله الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم": الأنفال: 37 ، وآيات أخر ذكرها (عليه السلام) في متن الرواية ، والآية - كما ترى - تذكر أن الله سبحانه سيفصل يوم القيامة الطيب من الخبيث ويميز بينها تمييزا تاما لا يبقى في قسم الطيب من خلط الخباثة شيء ، ولا في سنخ الخبيث من خلط الطيب شيء ثم يجمع كل خبيث برد بعضه إلى بعض وإلحاق بعضه ببعض ، ويرجع الآثار والأعمال حينئذ إلى موضوعاتها ، وترد الفروع إلى أصولها لا محالة ، ولازم ذلك اجتماع الحسنات جميعا في جانب ورجوعها إلى سعادة الذات الذي لا تمازجه شقاوة أصلا ، واجتماع السيئات جميعا في جانب ورجوعها إلى منشئها الخالص في منشئيته ، وهو الذي تبينه الرواية.
قوله (عليه السلام) : أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إلخ تمثيل بظاهر الحس على كون الأثر مظهرا لمؤثره مسانخا له قائما به ملازما لوجوده ، وقوله (عليه السلام) : هذا والله القضاء الفاصل إلخ ، هذا مع كونه بحسب بادىء النظر خلاف العدل مبني على ما تحكم به الضرورة من وجوب المناسبة والسنخية بين الفاعل وفعله والمؤثر وأثره ، ولازمه الحكم بأن كل فعل من الأفعال إنما يملكه من الفواعل ما يناسبه في ذاته لا ما لا يناسبه ، وإن كان قضاء النظر السطحي المعتمد على ظاهر الحس بخلافه.
فالفعل من حيث كونه حركات كذا وسكنات كذا فهو للموضوع الذي يتحرك ويسكن بها ، وأما من حيث كونه معنى من المعاني حسنة أو سيئة ومن آثار السعادة أو من آثار الشقاوة فإنما هو لذات سعيدة أو شقية تناسبه في وصفه ، ولو كان هناك موضوعان لهما حكمان مختلفان ثم وجد شيء من حكم كل في الآخر فإنما هو الامتزاج وقع بين الموضوعين واختلاط بمعنى أن وراء هذا الفعل موضوعه الأصلي القائم بأمره وإن ظهر في ظاهر النظر في غير موضوعه كالحرارة الظاهرة في الماء التي عاملها الأصلي نار أو شمس مثلا وإن كانت صفة بارزة في الماء ظاهرا فالحرارة للنار مثلا وإن ظهرت في الماء وهذا مما لا يرتاب فيه الخبير بالأبحاث الحقيقية.
وعلى هذا تكون الحسنات للمحسنين ذاتا والسعداء جوهرا وسنخا ، والسيئات للمسيئين ذاتا والأشقياء طينة وأصلا بحسب ظرف الحقيقة ووعاء الحق فهو الذي يقتضيه العدل الحقيقي.
ولا يناقضه أمثال قوله تعالى:"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8 ، وقوله:"ألا تزر وازرة وزر أخرى": النجم: 38 وقوله:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت": البقرة: 286 ، إلى غير ذلك من الآيات الحاكمة بأن تبعة كل فعل إنما هو لفاعله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وذلك أن الذي تحكم به الآيات في محله ولا يتخطاه لكن لما كان فاعل الفعل بحسب النظر الاجتماعي الدنيوي هو الذي تقوم به الحركة والسكون المسمى فعلا فإليه تعود تبعة الفعل من مدح أو ذم أو ثواب أو عقاب دنيويين وأما بحسب النظر الحقيقي ففاعل الفعل الأصل الذي يسانخه الفعل ويناسبه وهو غير من قامت به الحركات والسكنات المسماة فعلا ، ورجوع هذا الفعل وما له من الآثار الحسنة أو السيئة إلى هذا الأصل ليس من رجوع تبعة الفعل إلى غير فاعله حتى تناقضه الآيات الكريمة فهذا الحكم الباطني الذي يسميه (عليه السلام) حكما ملكوتيا في طول الحكم الظاهري الذي نألفه في حياتنا الاجتماعية.
وإذا كان يوم القيامة هو اليوم الذي تبلى فيه السرائر وتظهر فيه الحقائق ولا يحتجب الحق فيه بشيء كما مرت الإشارة إليه كرارا - كان هو مجلى هذا الحكم الملكوتي الذي يلحق كل حكم بحقيقة موضوعه فيرجع به كل شيء إلى أصله قال تعالى:"و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون": الزمر: 47 ، وقال:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 ، وقال:"ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء": الطور: 21 ، وقال:"و ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم": العنكبوت: 13.