و من هنا يظهر وجه اختصاص هذا الحكم الملكوتي بيوم القيامة مع أن البرزخ وهو ما بين الموت والبعث أيضا من ظروف المجازاة ومن أيام الله ، وذلك لأن الظاهر من كلامه تعالى أن البرزخ من تتمة المكث الأرضي محسوب من الدنيا كما يدل عليه قوله تعالى:"قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا": المؤمنون: 114 ، وقوله:"و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث": الروم: 56.
فالحياة البرزخية كأنها من بقايا الحياة الدنيوية محكومة ببعض أحكامها ، والناس فيها بعد في طريق التصفية والتخلص إلى سعادتهم وشقاوتهم ، والحكم الفصل الذي يحتاج إلى السنخ الخالص والذات الممحوضة بعد هذه الحياة.
ومن هنا يظهر أيضا سر ما يظهر في القرآن والحديث أن الله سبحانه يجازي الكفار جزاء حسناتهم التي أتوا بها في الدنيا.
وأما في الآخرة فأعمالهم فيها حبط ، ولا يقيم لهم يوم القيامة وزنا ، وليس لهم فيها إلا النار فافهم ذلك.
وقوله (عليه السلام) :"لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"تعليل منه لما بينه من الحكم الملكوتي بالآية ، وذلك أن السؤال عن شيء سواء كان فعلا فعله فاعل أو قضى به قاض أو خبرا أخبر به مخبر إنما هو طلب من الفاعل أو القاضي أو المخبر أن يبين مطابقة ما أتى به الواقع ويطبقه على الحق فإن ما نأتي به من الأمر إنما هو محاذاة منا للواقع الحق ولا ينقطع السؤال إلا إذا بين لنا وجه الحق فيه وكونه مطابقا للواقع أما إذا كان الفعل الذي أتى به أو الحكم الذي حكم به أو الخبر الذي أخبر به مثلا نفس الواقع بلا واسطة فلا معنى للسؤال البتة.
فإذا سألك سائل مثلا: لم ضربت اليتيم؟ أو لم قضيت أن المال لزيد؟ أو من أين أخبرت أن زيدا قائم؟ لم ينقطع السؤال دون أن تقول مثلا: ضربته للتأديب ، وأن تقول إن زيدا ورثه عن أبيه مثلا وأن تريه زيدا وهو قائم مثلا ، وهذا هو الحق الواقع المسئول عنه ، وأما كون الأربعة زوجا ، أو كون العشرة أكبر من الخمسة أو بطلان حياة زيد لو جز رأسه من بدنه مثلا فهذه الأمور نفس الواقع الحق ولا معنى لأن يسأل عن الأربعة لم صارت زوجا؟ أو عن العشرة لم صارت أكبر من الخمسة؟ أو عن فعل من الأفعال أو أثر من الآثار وعنده فاعله وغايته لم كان كما كان؟ أو لم فعل سببه التام ما فعل؟ فإن ذلك هذر.
والله سبحانه فعله نفس الواقع الحق ، وقوله نفس العين الخارجية ولا ينتهي إلى غيره فلا معنى للسؤال عنه بلم وكيف.
وجميع القضايا الحقة التي نطبق عليها عقائدنا أو أفعالنا لتكون حقة إنما هي مأخوذة من الخارج الذي هو فعله فلا تحكم في شيء من فعله ، وإنما تلازم بوجه فعله ملازمة التابع للمتبوع والمنتزع للمنتزع منه فافهم ، وبتقرير آخر الفعل الإلهي إنما يظهر بالأسباب الكونية فهي بمنزلة الآلات والأدوات لا يظهر له فعل إلا بتوسطها ، والسائل إنما يسأل عن فعل من أفعاله لجهله بالأسباب مثلا إذا مات زيد بسقوط حائط عليه بغتة سأل سائل: لم أهلك الله زيدا ولم يرحم شبابه ولا أبويه المسكينين؟ فإذا أجيب بانهدام الحائط عليه نقل السؤال إلى أنه لم هدم عليه الحائط؟ فإذا أجيب بأن السماء أمطرت فاسترخت أصله ومال به الثقل فسقط وكان تحته زيد فمات به ، نقل السؤال إلى أمطار السماء وهلم جرا ، ولا يقع السؤال إلا على أثر مجهول العلة ، وأما الأثر المعلوم العلة فلا يقع عنه سؤال وليس إلا أن السائل بجهله يقدر لزيد حياة مستندة إلى علل ليس بينها هذه التي فاجأته بسلسلتها فتوهم أن الله سبحانه فعل به ما فعل جزافا من غير سبب ولذلك بادر إلى السؤال ولو أحاط بعلل الحوادث لم يسأل قط ، وقد تقدم بعض الكلام في قوله تعالى:"لا يسأل عما يفعل"إلخ ، في البحث عن اعتراضات إبليس في محاورته الملائكة.
وقوله (عليه السلام) : حكم الله وحكم أنبيائه إلخ ، أي قضاؤه تعالى وقضاء أنبيائه بإذنه فإنه تعالى إنما يقضي ويحكم الحكم الحق الذي بحسب حقيقة الأمر وباطنه لا بحسب الظاهر كما نحكم عليه بالاعتماد على الشواهد والأمارات.