قوله تعالى:"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته"تفريع على ما تتضمنه الآية السابقة من إعلام الشريعة العامة المبلغة بواسطة الرسل أي إذا كان الأمر على ذلك وقد أبلغ الله دينه العام جميع أولاد آدم وأخبر بما أعده من الجزاء للأخذ به وتركه فمن أظلم ممن استنكف عن ذلك إما بافتراء الكذب على الله ، ونسبة دين إليه ، ووضعه موضع ما أتى به الرسل من دين التوحيد ، وقد أخبر الله أنهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغهم دينه ، وإما بالتكذيب لآياته الدالة على وحدانيته وما يتبعه من الشرائع.
ومن هنا يظهر أن افتراء الكذب على الله وإن كان يعم كل بدعة في الدين أصوله وفروعه غير أن المورد هو الشرك بالله باتخاذ آلهة دون الله ، ويدل عليه ما سيأتي من قوله:"قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله".
قوله تعالى:"أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا"إلى آخر الآية.
المراد بالكتاب ما قضي وكتب أن يصيب الإنسان من مقدرات الحياة من عمر ومعيشة وغنى وصحة ومال وولد وغير ذلك ، والدليل عليه تقييده بقوله:"حتى إذا جاءتهم رسلنا"إلخ ، والمراد به أجل الموت ، ومن المعلوم أنه غاية للحياة الدنيا بجميع شئونها ومقارناتها.
والمراد بالنصيب من الكتاب السهم الذي يختص كل واحد منهم من مطلق ما كتب له ولغيره ، وفي جعل النصيب من الكتاب هو الذي ينالهم ، والأمر منعكس بحسب الظاهر دلالة على أن النصيب الذي فرض للإنسان وقضي له من الله سبحانه لم يكن ليخطئه البتة وما لم يفرض له لم يكن ليصيبه البتة.
والمعنى: أولئك الذين كذبوا على الله بالشرك أو كذبوا بآياته بالرد لجميع الدين أو شطر منه ينالهم نصيبهم من الكتاب ، ونصيبهم ما قضي في حقهم من الخير والشر في الحياة الدنيا حتى إذا قضوا أجلهم وجاءتهم رسلنا من الملائكة وهم ملك الموت وأعوانه نزلوا عليهم وهم يتوفونهم ويأخذون أرواحهم ونفوسهم من أبدانهم سألوهم وقالوا: أين ما كنتم تدعون من دون الله من الشركاء الذين كنتم تدعون أنهم شركاء الله فيكم وشفعاؤكم عنده؟ قالوا ضلوا عنا وإنما ضلت أوصافهم ونعوتهم ، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بمعاينة حقيقة الأمر أن غير الله سبحانه لا ينفع ولا يضر شيئا ، وقد أخطئوا في نسبة ذلك إلى أوليائهم.
وفي مضمون الآية جهات من البحث تقدمت في نظيرة الآية من سورة الأنعام وغيرها.
قوله تعالى:"قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس"الخطاب من الله سبحانه دون الملائكة وإن كانوا في وسائط في التوفي وغيره ، والمخاطبون بحسب سياق اللفظ هم بعض الكفار وهم الذين توفيت قبلهم أمم من الجن والإنس إلا أن الخطاب في معنى: ادخلوا فيما دخل فيه سابقوكم ولاحقوكم وإنما نظم الكلام هذا النظم ليتخلص به إلى ذكر التخاصم الذي يقع بين متقدميهم ومتأخريهم ، وقد قال تعالى:"إن ذلك لحق تخاصم أهل النار": ص: 64.
وفي الآية دلالة على أن من الجن أمما يموتون بآجال خاصة قبل انتهاء أمد الدنيا على خلاف إبليس الباقي إلى يوم الوقت المعلوم.
قوله تعالى:"كلما دخلت أمة لعنت أختها"هذا من جملة خصامهم في النار وهو لعن كل داخل من تقدم عليه في الدخول ، واللعن هو الإبعاد من الرحمة ومن كل خير والأخت المثل.
قوله تعالى:"حتى إذا اداركوا فيها جميعا"إلى آخر الآيتين ، اداركوا أي تداركوا أي أدرك بعضهم بعضا اللاحقون السابقين أي اجتمعوا في النار جميعا.
والمراد بالأولى والأخرى اللتين تتخاصمان ما هو كذلك بحسب الرتبة أو بحسب الزمان فإن الأولى منهم مقاما وهم رؤساء الضلال ، وأئمة الكفر المتبوعون أعانوا تابعيهم بإضلالهم على الضلال ، وكذا الأولى منهم زمانا وهم الأسلاف المتقدمون أعانوا متأخريهم على ضلالتهم لأنهم هم الذين جرءوهم بفتح الباب لهم وتمهيد الطريق لسلوكهم.