فهرس الكتاب

الصفحة 1612 من 4314

و الضعف بالكسر فالسكون ما يكرر الشيء فضعف الواحد اثنان وضعف الاثنين أربعة غير أنه ربما أريد به ما يوجب تكرار شيء آخر فقط كالاثنين يوجب بنفسه تكرار الواحد فضعف الواحد اثنان وضعفاه أربعة ، وربما أريد به ما يوجب التكرار بانضمامه إلى شيء كالواحد يوجب تكرار واحد آخر بانضمامه إليه لأنهما يصيران بذلك اثنين فكل واحد من جزئي الاثنين ضعف وهما جميعا ضعفان نظير الزوج فالاثنان زوج وهما زوجان وعلى كلا الاعتبارين ورد استعماله في كلامه تعالى ، قال تعالى كما في هذه الآية"فآتهم عذابا ضعفا"وقال تعالى:"ضعفين من العذاب".

وقوله:"قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا"إلخ ، نوع من الالتفات لطيف في بابه فيه رجوع من مخاطبتهم بالمخاصمة إلى مخاطبة الله سبحانه بالدعاء عليهم معللا بظلمهم فيفيد فائدة التكنية بالإشارة إلى الملزوم وإفادة الملازمة ، وفيه مع ذلك نوع من الإيجاز فإن فيه اكتفاء بمحاورة واحدة عن محاورتين ، والتقدير قالت أخراهم لأولاهم أنتم أشد ظلما منا لأنكم ضالون في أنفسكم وقد أضللتمونا فليعذبكم الله عذابا ضعفا من النار ، ثم رجعوا إلى ربهم بالدعاء عليهم وقالوا ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا... إلخ ، فأجابهم الله وقال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ، ثم أجابتهم أولاهم وقالوا: فما كان لكم علينا من فضل إلخ.

فمعنى الآية:"حتى إذا اداركوا"واجتمعوا بلحوق أخراهم لأولاهم"فيها"أي في النار تخاصموا"و قالت أخراهم"وهم اللاحقون مرتبة أو زمانا من التابعين"لأولاهم"وهم الملحوقون المتبوعون من رؤسائهم وأئمتهم ، ومن آبائهم والأجيال السابقة عليهم زمانا الممهدين لهم الطريق إلى الضلال أنتم أضللتمونا بإعانتكم عليه فلتعذبوا بأشد من عذابنا فسألوا ربهم ذلك وقالوا:"ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار"يكون ضعف عذابنا لأنهم ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم بالإعانة"قال"الله سبحانه"لكل"من الأولى والأخرى"ضعف من العذاب"أما أولاكم فإنهم ضلوا وأعانوكم على الضلال ، وأما أنتم فإنكم ضللتم وأعنتموهم على الإضلال باتباع أمرهم وإجابة دعوة الرؤساء منهم ، وتكثير سواد السابقين منهم باللحوق بهم"و لكن لا تعلمون"فإن العذاب إنما يتحقق أو يتم في مرحلة الإدراك والعلم.

وأنتم تشاهدونهم أمثال أنفسكم في شمول العذاب وإحاطة النار فتتوهمون أن عذابهم مثل عذابكم وليس كذلك بل لهم من العذاب ما لا طريق لكم إلى إدراكه والشعور به كما أنهم بالنسبة إليكم كذلك فما عندكم وعندهم من العذاب ضعف ولكن إحاطة العذاب شغلكم عن العلم بذلك.

وهذا خطاب إلهي مبني على القهر والإذلال فيه تعذيب لهم يسمعه أولاهم وأخراهم جميعا فتعود به أولاهم لأخراهم بالتهكم وتقول كما حكى الله:"و قالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل"بخفة العذاب"فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون"في الدنيا من الذنوب والآثام.

قوله تعالى:"إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم"إلى آخر الآية.

السم هو الثقب وجمعه السموم ، والخياط والمخيط الإبرة.

والذي نفاه الله تعالى من تفتيح أبواب السماء مطلق في نفسه يشمل الفتح لولوج أدعيتهم وصعود أعمالهم ودخول أرواحهم غير أن تعقيبه بقوله:"و لا يدخلون الجنة"إلخ ، كالقرينة على أن المراد نفي أن يفتح بابها لدخولهم الجنة فإن ظاهر كلامه سبحانه أن الجنة في السماء كما هو في قوله:"و في السماء رزقكم وما توعدون": الذاريات: 22.

وقوله:"حتى يلج الجمل في سم الخياط"من التعليق بالمحال وإنما يعلق الأمر بالمحال كناية عن عدم تحققه وإياسا من وجوده كما يقال: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض الفأر ، وقد قال تعالى في موضع آخر في هذا المعنى:"و ما هم بخارجين من النار": البقرة: 167 ، والآية في معنى تعليل مضمون الآية السابقة ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش"إلخ.

جهنم اسم من أسماء نار الآخرة التي بها التعذيب ، وقد قيل: إنه مأخوذ من قولهم"بئر جهنام"أي بعيدة القعر وقيل: فارسي معرب ، والمهاد الوطاء الذي يفترش ، ومنه مهد الصبي والغواشي جمع غاشية وهي ما يغشى الشيء ويستره ومنه غاشية السرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت