فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 4314

و قد أفيد بقوله:"لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش"أنهم محاطون بالعذاب من تحتهم ومن فوقهم ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"و الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها"إلخ.

الآية وما يتلوها لتتميم بيان حال الطائفتين الكفار والمؤمنين ، ولتكون كالتوطئة لقوله الآتي:"و نادى أصحاب الجنة أصحاب النار"إلخ.

وقوله:"لا نكلف نفسا إلا وسعها"مسوق للتخفيف وتقوية الرجاء في قلوب المؤمنين فإن تقييد الإيمان بعمل الصالحات - والصالحات جمع محلى باللام وهو يفيد الاستغراق - يفيد بظاهره لزوم العمل بجميع الصالحات حتى لا يشذ عنها شاذ ، وما أقل من وفق لذلك من طبقة أهل الإيمان ويسد ذلك باب الرجاء على أكثر المؤمنين فذكر الله سبحانه أن التكليف على قدر الوسع فمن عمل من الصالحات ما وسعه أن يعمله من غير أن يشق على نفسه ويتحمل ما لا طاقة له به بعد الإيمان بالله فهو من أهل هذه الآية ، ومن أصحاب الجنة هم فيها خالدون.

قوله تعالى:"و نزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار"الغل هو الحقد وضغن القلوب وعداوتها ، وفي مادتها معنى التوسط باللطف والحيلة ومنه الغلالة وهي الثوب المتوسط بين الدثار والشعار ، وغل الصدور من أعظم ما ينغص عيش الإنسان ، وما من إنسان يعاشر إنسانا ويأتلف به إلا وائتلافه مشروط بأن يوافقه فيما يراه ويريده فإذا شاهد من حاله ما لا يرتضيه جأش صدره بالغل وراحت الألفة وتنغصت العيشة فإذا ذهب الله سبحانه بغل الصدور لم يسؤ الإنسان ما يشاهده من أليفه على الإطلاق وهي اللذة الكبرى وفي قوله:"تجري من تحتهم الأنهار"إشارة إلى أنهم ساكنون في قصورها العالية.

قوله تعالى:"و قالوا الحمد لله الذي هدانا - إلى قوله - بالحق"في نسبة التحميد إليهم دلالة على أن الله سبحانه يخلصهم لنفسه فلا يوجد عندهم اعتقاد باطل ولا عمل سيء كما قال تعالى:"لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما": الواقعة 26 ، فيصح منهم تحميد الله سبحانه ويقع توصيفهم موقعه فليس توصيفه تعالى بحيث يصيب غرضه ويقع موقعه بذلك المبتذل حتى يناله كل نائل ، قال تعالى:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات: 160 ، وقد تقدم القول في معنى الحمد وخصوصية حمده تعالى في تفسير سورة الحمد.

وفي قولهم:"هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله"إشارة إلى اختصاص الهداية به تعالى فليس إلى الإنسان من الأمر شيء.

وفي قولهم:"لقد جاءت رسل ربنا بالحق"اعتراف بحقية ما وعدهم الله تعالى بلسان أنبيائه ، وهو الذي يأخذون الاعتراف به من أصحاب النار على ما تقصه الآية التالية ، وفي هذا الاعتراف وسائر الاعترافات المأخوذة من الفريقين يوم القيامة من قبل مصدر العظمة والكبرياء ظهور منه تعالى بالقهر وتمام الربوبية ، ويكون ذلك من أهل الجنة شكرا ، ومن أهل النار تماما للحجة.

واعتراف أهل الجنة بحقية ما وعدهم الله سبحانه بواسطة رسله هو من الحقائق العالية القرآنية وإن كان بحسب ساذج النظر معنى بسيطا مبتذلا ، ولعلنا نوفق لشطر من البحث فيه في ذيل الكلام على هذه الآيات.

قوله تعالى:"و نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون"في الإشارة بلفظ البعيد - تلكم - إشارة إلى رفعة قدر الجنة وعلو مكانها فإن ظاهر السياق - كما قيل - إن النداء إنما هو حين كونهم في الجنة ، وقد جعلت الجنة إرثا لهم في قبال عملهم.

وإنما يتحقق الإرث فيما إذا كان هناك مال أو نحوه مما ينتفع به وهو في معرض انتفاع شخص ثم زال عنه الشخص فبقي لغيره يقال: ورث فلان أباه أي مات وترك مالا بقي له ، والعلماء ورثة الأنبياء أي مختصون بما تركوا لهم من العلم ، ويرث الله الأرض أي إنه كان خولهم ما بها من مال ونحوه وسوف يموتون فيبقى له ما خولهم.

وعلى هذا فكون الجنة إرثا لهم أورثوها معناه كونها خلقت معروضة لأن يكسبها بالعمل المؤمن والكافر جميعا غير أن الكافر زال عنها بشركه ومعاصيه فتركها فبقيت للمؤمن فهو الوارث لها بعمله ، ولو لا عمله لم يرثها ، قال تعالى:"أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس": المؤمنون: 11.

وقال تعالى: حكاية عن أهل الجنة:"الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء": الزمر: 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت