فهرس الكتاب

الصفحة 1614 من 4314

و هذا أوضح مما ذكره الراغب في المفردات ، إذ قال: الوراثة والإرث انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد ، وسمي بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة ميراث وإرث وتراث فقلبت الواو ألفا وتاء قال: وتأكلون التراث ، وقال (عليه السلام) : اثبتوا على مشاعركم فإنكم على إرث أبيكم أي أصله وبقيته.

قال الشاعر: فنظر في صحف كالرباط.

فيهن إرث كتاب محي.

قال: ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا ويقال لكل من خول شيئا مهنئا: أورث ، قال تعالى: تلك الجنة التي أورثتموها ، أولئك هم الوارثون الذين يرثون.

وقوله: ويرث من آل يعقوب فإنه يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون المال فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه بل قلما يقتنون المال ويملكونه أ لا ترى أنه قال (عليه السلام) :"إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة"نصب على الاختصاص فقد قيل: ما تركناه هو العلم وهو صدقة يشترك فيها الأمة ، وما روي عنه (عليه السلام) من قوله:"العلماء ورثة الأنبياء"فإشارة إلى ما ورثوه من العلم واستعمل لفظ الورثة لكون ذلك بغير ثمن ولا منة ،: وقال لعلي رضي الله عنه: أنت أخي ووارثي. قال: وما إرثك؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي كتاب الله وسنتي ، ووصف الله تعالى نفسه بأنه الوارث من حيث إن الأشياء كلها صائرة إلى الله تعالى انتهى كلامه.

وإنما كان ما قدمناه أوضح مما ذكره لصعوبة إرجاع ما ذكره من المعاني إلى أصل واحد هو معنى المادة.

قوله تعالى:"و نادى أصحاب الجنة أصحاب النار"إلى آخر الآية.

هذا في نفسه أخذ اعتراف من أصحاب النار بتوسط أصحاب الجنة وواقع موقع التهكم والسخرية يتهكم ويسخر به أصحاب الجنة من أصحاب النار.

والاستهزاء والسخرية إنما يكون من اللغو الباطل إذا لم يتعلق به غرض حق كالاستهزاء بالحق وأهله أما إذا كان لغرض المقابلة والمجاراة أو لغرض آخر حق من غير محذور فليس من قبيل اللغو الذي لا يصدر عن أهل الجنة قال تعالى حكاية عن نوح (عليه السلام) :"و يصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون": هود: 38 ، وقال:"إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون - إلى أن قال - فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون": المطففين: 34.

وأما الفرق بين قولهم:"ما وعدنا ربنا"وقولهم:"ما وعد ربكم"حيث ذكر المفعول في الوعد الأول دون الثاني فلعل ذلك للدلالة على نوع من التشريف فإن الظاهر أن المراد بما وعد الله جميع ما وعده من الثواب والعقاب لعامة الناس.

وهناك وجه آخر وهو أن متعلق اعتراف المؤمنين وإنكار الكفار من أمر المعاد مختلف في الدنيا فإن المؤمنين يثبتون البعث بجميع خصوصياته التي بينها الله لهم ووعدها إياهم ، وأما الكفار المنكرون فإنهم ينكرون أصل البعث الذي اشترك في الوعد به المؤمنون والكفار جميعا ، ولذلك احتج الله سبحانه ويتم الحجة عليهم بأصله دون خصوصياته كقوله تعالى:"و لو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أ ليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا": الأنعام: 30 ، وقوله:"و يوم يعرض الذين كفروا على النار أ ليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا": الأحقاف: 34.

وعلى هذا فقولهم:"أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا"اعتراف منهم بحقية ما وعدهم الله وكانوا يذعنون به ويشهدون من جميع خصوصيات البعث بما قصهم الله في الدنيا بلسان أنبيائه ، وأما الكفار فقد كانوا ينكرون أصل البعث والعذاب ، وهو مما يشتركون فيه هم والمؤمنون فلذا قيل:"فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا"ولم يقل ما وعدكم ربكم لأن الوعد بأصل البعث والعذاب لم يكن مختصا بهم.

وبذلك يظهر الجواب عما قيل: إن الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد على ما ذكره المتكلمون فما معنى أخذ الاعتراف بحقية ما ذكره الله من عقاب الكفار والمجرمين وأنذرهم به في الدنيا ، وليس تحققه بلازم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت