فهرس الكتاب

الصفحة 1615 من 4314

و ذلك أن الملاك فيما ذكروه من الفرق أن الثواب حق العامل على ولي الثواب الذي بيده الأمر ، والعقاب حق الولي المثيب على العامل ، ومن الجائز أن يصرف الشخص نظره عن إعمال حق نفسه لكن لا يجوز إبطال حق الغير فإنجاز الوعد واجب دون إنجاز الوعيد ، وهذا إنما يتم في موارد الوعيد الخاصة ومصاديقه في الجملة ، وأما عدم إنجاز أصل العقاب على الذنب وإبطال أساس المجازاة على التخلف فليس كذلك إذ في إبطاله إبطال التشريع من أصله وإخلال النظام العام.

وربما وجه الفرق في قوليه:"وعدنا ربنا""وعد ربكم"بأن المراد بقوله:"وعدنا"ما وعد الله المتقين من خصوصيات ما يعاملهم به يوم القيامة ، وبقوله:"وعد ربكم"عموم ما وعد به المؤمنين والكفار من الثواب والعقاب يوم القيامة كالذي في قوله:"إما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي"إلى آخر الآيتين.

ومن المعلوم أن هذا الوعد لا يختص بالكفار حتى يقال: وعدكم ربكم بل التعبير الحق وعد ربكم.

وفيه: أن أصل الفرق لا بأس به لكنه لا يقطع السؤال فللسائل أن يعود فيقول ما هو السبب الفارق في أن أصحاب الجنة لما أوردوا اعتراف نفسهم اقتصروا بذكر ما يخصهم من أمور يوم القيامة ، وأما إذا سألوا أصحاب النار سألوهم عن جميع ما وعد الله به المؤمنين والكفار؟ وبعبارة أخرى هناك ما يشترك فيه الطائفتان وما يختص به كل منهما فما بالهم إذا اعترفوا هم أنفسهم اعترفوا بما يختص بأنفسهم ويسألون أصحاب النار الاعتراف بما يشترك فيه الجميع؟.

وربما وجه الفرق بأن المراد بقوله"ما وعد ربكم"الذي وعده أصحاب الجنة من أنواع الثواب الجزيل فإن أصحاب النار يشاهدون ذلك كما يجدون ما بهم من أليم العقاب.

وهو وجه سخيف على سخافته لا يغني طائلا.

وقوله:"فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين"تفريع على تحقق الاعتراف من الطائفتين جميعا على حقية ما وعده الله سبحانه ، والأذان هو قوله:"لعنة الله على الظالمين"وهو إعلام عام للفريقين - والدليل عليه ظاهر قوله:"بينهم"- بقضاء اللعنة وهي الإبعاد والطرد من الرحمة الإلهية على الظالمين وقد فسر الظالمين الذين ضربت عليهم باللعنة بقوله:"الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون"فهم الكافرون المنكرون للآخرة الذين يصدون عن سبيل الله محرفة منحرفة ، ويصرفون غيرهم عن سلوك الصراط المستقيم فهؤلاء هم المعاندون للحق المنكرون للمعاد.

وهذا الوصف يشمل جميع المعاندين للحق الكافرين بالجزاء حتى المنكرين للصانع الذين لا يدينون بدين فإن الله سبحانه يذكر في كتابه أن دينه وسبيله الذي يهدي إليه وبه هو سبيل الإنسانية الذي تدعو إليه الفطرة الإنسانية والخلقة خص بها الإنسان ليس وراءه إسلام ولا دين.

فالسبيل الذي يسلكه الإنسان في حياته هو سبيل الله وصراطه وهو الدين الإلهي فإن سلكه على استقامة ما تدعو إليه الفطرة وهو الذي يسوقه إلى سعادته كان هو الصراط المستقيم والإسلام الذي هو الدين عند الله وسبيل الله الذي لا عوج فيه ، وإن سلك غير ذلك سواء كان فيه إذعان بألوهية وعبادة لمعبود كالملل والأديان الباطلة أو لم يكن فيه خضوع لشيء وعبادة لمعبود كالمادية المحضة فهو سلوك يبغون فيه سبيل الله عوجا وهو الإسلام محرفا عن وجهه ، ونعمة الله التي بدلت كفرا ، فافهم ذلك.

وقد أبهم الله هذا الذي يخبر عنه بقوله:"فأذن مؤذن بينهم"ولم يعرفه من هو؟ أ من الإنس أم من الجن أم من الملائكة؟ لكن الذي يقتضيه التدبر في كلامه تعالى أن يكون هذا المؤذن من البشر لا من الجن ولا من الملائكة: أما الجن فلم يذكر في شيء من تضاعيف كلامه تعالى أن يتصدى الجن شيئا من التوسط في أمر الإنسان من لدن وروده في عالم الآخرة وهو حين نزول الموت إلى أن يستقر في جنة أو نار فيختم أمره فلا موجب لاحتمال كونه من الجن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت