فهرس الكتاب

الصفحة 1616 من 4314

و أما الملائكة فإنهم وسائط لأمر الله وحملة لإرادته بأيديهم إنفاذ الأوامر الإلهية ، وبوساطتهم يجري ما قضى به في خلقه ، وقد ذكر الله سبحانه أشياء من أمرهم وحكمهم في عالم الموت وفي جنة الآخرة ونارها كقولهم للظالمين حين القبض: أخرجوا أنفسكم"إلخ: الأنعام: 93 وقولهم لأهل الجنة:"سلام عليكم ادخلوا الجنة"إلخ: النحل: 32 وقول مالك لأهل النار:"إنكم ماكثون"إلخ: ، الزخرف: 77 ، ونظائر ذلك."

وأما المحشر وهو حظيرة البعث والسؤال والشهادة وتطاير الكتب والوزن والحساب والظرف الذي فيه الحكم الفصل فلم يذكر للملائكة فيه شيء من الحكم أو الأمر والنهي ولا لغيرهم صريحا إلا ما صرح تعالى به في حق الإنسان.

كقوله تعالى في أصحاب الأعراف في ذيل هذه الآيات حكاية عنهم:"و نادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم"وقولهم لجمع من المؤمنين هناك:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"وهذا حكم وأمر وتأمين بإذن الله ، وقوله تعالى فيما يصف يوم القيامة:"قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين": النحل: 27 وقوله تعالى بعد ذكر سؤاله أهل الجمع عن مدة لبثهم في الأرض:"و قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون": الروم: 56.

فهذه جهات من تصدي الشئون ، والقيام بالأمر يوم القيامة حبا الله الإنسان به دون الملائكة مضافا إلى أمثال الشهادة والشفاعة اللتين له.

فهذا كله يقرب إلى الذهن أن يكون هذا المؤذن من الإنسان دون الملائكة ، ويأتي في البحث الروائي ما له تعلق بالمقام.

قوله تعالى:"و بينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم"الحجاب معروف وهو الستر المتخلل بين شيئين يستر أحدهما من الآخر.

والأعراف أعالي الحجاب ، والتلال من الرمل والعرف للديك وللفرس وهو الشعر فوق رقبته وأعلى كل شيء ففيه معنى العلو على أي حال ، وذكر الحجاب قبل الأعراف ، وما ذكر بعده من إشرافهم على الجميع وندائهم أهل الجنة والنار جميعا كل ذلك يؤيد أن يكون المراد بالأعراف أعالي الحجاب الذي بين الجنة والنار وهو المحل المشرف على الفريقين أهل الجنة وأهل النار جميعا.

والسيماء العلامة قال الراغب: السيماء والسيمياء العلامة ، قال الشاعر: له سيمياء لا تشق على البصر.

وقال تعالى:"سيماهم في وجوههم"وقد سومته أي أعلمته ، ومسومين أي معلمين انتهى.

والذي يعطيه التدبر في معنى هذه الآية وما يلحق بها من الآيات أن هذا الحجاب الذي ذكره الله تعالى إنما هو بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فهما مرجع الضمير في قوله:"و بينهما"وقد أنبأنا الله سبحانه بمثل هذا المعنى عند ذكر محاورة بين المنافقين والمؤمنين يوم القيامة بقوله:"يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب": الحديد: 13 ، وإنما هو حجاب لكونه يفرق بين الطائفتين ويحجب إحداهما عن الأخرى لا أنه ثوب منسوج مخيط على هيئة خاصة معلق بين الجنة والنار ثم أخبر الله سبحانه أن على أعراف الحجاب وأعاليه رجالا مشرفين على الجانبين لارتفاع موضعهم يعرفون كلا من الطائفتين أصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم وعلامتهم التي تختص بهم.

ولا ريب في أن السياق يفيد أن هؤلاء الرجال منحازون على الطائفتين متمايزون من جماعتهم فهل ذلك لكونهم خارجين عن نوع الإنسان كالملائكة أو الجن مثلا ، أو لكونهم خارجين عن أهل الجمع من حيث ما يتعلق بهم من السؤال والحساب وسائر الشئون الشبيهة بهما فيكون بذلك أهل الجمع منقسمين إلى طوائف ثلاث: أصحاب الجنة ، وأصحاب النار ، وأصحاب الأعراف كما قسمهم الله في الدنيا إلى طوائف ثلاث: المؤمنين والكفار والمستضعفين الذين لم تتم عليهم الحجة وقصروا عن بلوغ التكليف كضعفاء العقول من النساء والأطفال غير البالغين والشيخ الهرم الخرف والمجنون والسفيه وأضرابهم ، أو لكونهم مرتفعين عن موقف أهل الجمع بمكانتهم؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت