و رابعا: أنه لا يشاهد فيما يذكره الله من مكانتهم وما يحاورون به أصحاب الجنة والجبابرة المستكبرين من أصحاب النار شيء من آثار الفزع والقلق عليهم ولا اضطراب في أقوالهم ، ولم يذكر أنهم محضرون فيه مختلطون بالجماعة داخلون فيما دخلوا فيه من الأهوال التي تجعل الأفئدة هواء والجبال سرابا ، وقد قال تعالى:"فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين": الصافات: 128 ، فجعل ذلك من خاصة مخلصي عباده ، ثم استثناهم من كل هول أعد ليوم القيامة.
ثم إنه تعالى ذكر دعاءهم في قوله:"و إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين"ولم يعقبه بالرد فدل ذلك على أنهم مجازون فيما يتكلمون به مستجاب دعاؤهم ، ولو لا ذلك لعقبه بالرد كما في موارد ذكرت فيها أدعية أهل الجمع ومسائل أصحاب النار وأدعية أخرى من غيرهم.
فهذه الخصوصيات التي تنكشف واحدة بعد واحدة من هذه الآيات بالتدبر فيها وأخرى تتبعها لا تبقي ريبا للمتدبر في أن هؤلاء الذين أخبر الله سبحانه عنهم في قوله:"و على الأعراف رجال"جمع من عباد الله المخلصين من غير الملائكة هم أرفع مقاما وأعلى منزلة من سائر أهل الجمع يعرفون عامة الفريقين ، لهم أن يتكلموا بالحق يوم القيامة ولهم أن يشهدوا ، ولهم أن يشفعوا ، ولهم أن يأمروا ويقضوا.
وأما أنهم من الإنس أو من الجن أو من القبيلين مختلطين؟ فلا طريق من اللفظ يوصلنا إلى العلم به غير أن شيئا من كلامه تعالى لا يدل على تصدي الجن شيئا من شئون يوم القيامة ولا توسطا في أمر يعود إلى الحكم الفصل الذي يجري على الإنسان يومئذ كالشهادة والشفاعة ونحوهما.
ولا ينافي ما قدمناه من أوصافهم ونعوتهم أمثال قوله تعالى:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19 ، فإن الآية مفسرة بآيات أخرى تدل على أن المراد بها إنما هو ظهور ملكه تعالى لكل شيء وإحاطته بكل أمر لا حدوث ملكه يومئذ فإنه مالك على الإطلاق دائما لا وقتا دون وقت ، ولا يملك نفس لنفس شيئا دائما لا في الآخرة فحسب لنفسه؟ والملائكة على وساطتهم يومئذ ، والشهداء يملكون شهادتهم يومئذ ، والشفعاء يملكون شفاعتهم يومئذ وقد نص على ذلك كلامه تعالى قال:"و تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون": الأنبياء: 103 ، وقال:"يوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51 ، وقال:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86.
فلله سبحانه الملك يومئذ وله الحكم يومئذ ، ولغيره ما أذن له فيه كالدنيا غير أن الذي يختص به يوم القيامة ظهور هذه الحقائق ظهور عيان لا يقبل الخفاء ، وحضورها بحيث لا يغيب بغفلة أو جهل أو خطإ أو بطلان.
وقد اشتد الخلاف بينهم في معنى الآية حتى ساق بعضهم إلى أقوال لا تخلو عن المجازفة فقد اختلفوا في معنى الأعراف: 1 - فمن قائل: أنه شيء مشرف على الفريقين.
2 -وقيل: سور له عرف كعرف الديك.
3 -وقيل: تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب.
4 -وقيل: السور الذي ذكره الله في القرآن بين المؤمنين والمنافقين إذ قال:"فضرب بينهم بسور له باب".
5 -وقيل: معنى الأعراف التعرف أي على تعرف حال الناس رجال.
6 -وقيل: هو الصراط.
ثم اختلفوا في الرجال الذين على الأعراف على أقوال أنهيت إلى اثني عشر قولا: 1 - أنهم أشراف الخلق الممتازون بكرامة الله.
2 -أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم يترجح حسناتهم حتى يدخلوا الجنة ولا غلبت سيئاتهم حتى يؤمروا بدخول النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة والنار ثم يدخلهم الجنة برحمته.
3 -أنهم أهل الفترة.
4 -أنهم مؤمنوا الجن.
5 -أنهم أولاد الكفار الذين لم يبلغوا في الدنيا أوان البلوغ.
6 -أنهم أولاد الزنا.
7 -أنهم أهل العجب بأنفسهم.
8 -أنهم ملائكة واقفون عليها يعرفون كلا بسيماهم ، وإذا أورد عليهم أن الملائكة لا تتصف بالرجولية والأنوثية قالوا: إنهم يتشكلون بأشكال الرجال.
9 -أنهم الأنبياء (عليهم السلام) يقامون عليها تمييزا لهم على سائر الناس ولأنهم شهداء عليهم.
10 -أنهم عدول الأمم الشهداء على الناس يقومون عليها للشهادة على أممهم.
11 -أنهم قوم صالحون فقهاء علماء.