فهرس الكتاب

الصفحة 1621 من 4314

قوله تعالى:"و إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين"التلقاء كالبيان مصدر لقي يلقى ثم استعمل بمعنى جهة اللقاء ، وضمير الجمع في قوله:"أبصارهم"وقوله:"قالوا"عائد إلى"رجال"والتعبير عن النظر إلى أصحاب النار بصرف أبصارهم إليه كأن الوجه فيه أن الإنسان لا يحب إلقاء النظر إلى ما يؤلمه النظر إليه وخاصة في مثل المورد الذي يشاهد الناظر فيه أفظع الحال وأمر العذاب وأشقه الذي لا يطاق النظر إليه غير أن اضطراب النفس وقلق القلب ربما يفتح العين نحوه للنظر إليه كان غيره هو الذي صرف نظره إليه وإن كان الإنسان لو خلي وطبعه لم يرغب في النظر ولو بوجه نحوه ، ولذا قيل:"و إذا صرفت أبصارهم"إلخ ولم يقل وإذا نظروا إليه أو ما يفيد مفاده.

ومعنى الآية: وإذا نظر أصحاب الأعراف أحيانا إلى أصحاب النار تعوذوا بالله من أن يجعلهم مع أصحاب النار فيدخلهم النار ، وقالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.

وليس دعاؤهم هذا الدعاء دالا على سقوط منزلتهم ، وخوفهم من دخول النار كما يدل على رجائهم دخول الجنة قوله"و هم يطمعون"وذلك أن ذلك مما دعا به أولوا العزم من الرسل والأنبياء المكرمون والعباد الصالحون وكذا الملائكة المقربون فلا دلالة فيه ولو بالإشعار الضعيف على كون الداعي ذا سقوط في حاله وحيرة من أمره.

هذا ما فسروا به الآية بإرجاع ضميري الجمع إلى"رجال".

لكنك خبير بأن ذلك لا يلائم الإظهار الذي في مفتتح الآية التالية في قوله:"و نادى أصحاب الأعراف"إذ الكلام في هذه الآيات الأربع جار في أوصاف أصحاب الأعراف وأخبارهم كقوله:"يعرفون كلا"إلخ ، وقوله:"و نادوا أصحاب الجنة"إلخ وقوله:"لم يدخلوها"إلخ ، على احتمال ، وقوله:"و إذا صرفت أبصارهم"إلخ ، فكان من اللازم أن يقال:"و نادوا - أي أصحاب الأعراف - رجالا يعرفونهم"إلخ ، وليس في الكلام أي لبس ولا نكتة ظاهرة توجب العدول من الإضمار الذي هو الأصل في المقام إلى الإظهار بمثل قوله:"و نادى أصحاب الأعراف".

فالظاهر أن ضميري الجمع أعني ما في قوله:"أبصارهم"وقوله"قالوا"راجعان إلى أصحاب الجنة ، والجملة إخبار عن دعائهم إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار كما أن الجملة السابقة بيان لطمعهم في دخول الجنة ، وكل ذلك قبل دخولهم الجنة.

قوله تعالى:"و نادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم"إلى آخر الآية ، في توصيف الرجال بقوله:"يعرفونهم بسيماهم"دلالة على أن سيماءهم كما يدلهم على أصل كونهم من أصحاب الجنة يدلهم على أمور أخر من خصوصيات أحوالهم ، وقد مرت الإشارة إليه.

وقوله:"قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون"تقريع لهم وشماتة ، وكشف عن تقطع الأسباب الدنيوية عنهم فقد كانوا يستكبرون عن الحق ويستذلونه ويغترون بجمعهم.

قوله تعالى:"أ هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"إلى آخر الآية.

الإشارة إلى أصحاب الجنة ، والاستفهام للتقرير أي هؤلاء هم الذين كنتم تجزمون قولا أنهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبودية خير ، وأصابه الخير هي نيله تعالى إياهم برحمة ووقوع النكرة - برحمة - في حيز النفي يفيد استغراق النفي للجنس ، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كل خير.

وقوله: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ، أمر من أصحاب الأعراف للمؤمنين أن يدخلوا الجنة بعد تقرير حالهم بالاستفهام ، وهذا هو الذي يفيده السياق.

وقول بعضهم في الآية: إنها بتقدير القول أي قيل لهم من قبل الرحمن: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون في مستقبل أمركم ، ولا أنتم تحزنون من شيء ينغص عليكم حاضركم ، وحذف القول للعلم به من قرائن الكلام كثير في التنزيل وفي كلام العرب الخلص انتهى.

مدفوع بعدم مساعدة السياق ودلالة القرائن عليه بوجه كما تقدم بيانه ، وليس إذا جاز تقدير القول في محل لتبادر معناه من الكلام جاز ذلك في أي مقام أريد ، وأي سياق أم أية قرينة تدل على ذلك في المقام؟

كلام في معنى الأعراف في القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت