و الأقوال المذكورة غير متقابلة جميعا في الحقيقة فإن القول بكونهم أهل الفترة والقول بكونهم أولاد الكفار إنما ملاكهما عدم ترجح شيء من الحسنات والسيئات على الآخر فيرجعان بوجه إلى القول الثاني وكذا القول بكونهم أولاد الزنا نظرا إلى أنهم لا مؤمنون ولا كفار ، وكذا رجوع القول التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر إلى القول الأول بوجه.
فأصول الأقوال في رجال الأعراف ثلاثة: أحدها: أنهم رجال من أهل المنزلة والكرامة على اختلاف بينهم في أنهم من هم؟ فقيل: هم الأنبياء ، وقيل: الشهداء على الأعمال ، وقيل: العلماء الفقهاء ، وقيل: غير ذلك كما مر.
والثاني: أنهم الذين لا رجحان في أعمالهم للحسنة على السيئة وبالعكس على اختلاف منهم في تشخيص المصداق.
والثالث: أنهم من الملائكة ، وقد مال الجمهور إلى الثاني من الأقوال ، وعمدة ما استندوا إليه في ذلك أخبار مأثورة سنوردها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
وقد عرفت أن الذي يعطيه سياق الآيات هو الأول من الأقوال حتى أن بعضهم مع تمايله إلى القول الثاني لم يجد بدا من بعض الاعتراف بعدم ملاءمة سياق الآيات ذلك كالآلوسي في روح المعاني ، .
قوله تعالى:"و نادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون"المنادون هم الرجال الذين على الأعراف - على ما يعطيه السياق - وقوله:"أن سلام عليكم"يفسر ما نادوا به ، وقوله:"لم يدخلوها وهم يطمعون"جملتان حاليتان فجملة"لم يدخلوها"من أصحاب الجنة ، وجملة"و هم يطمعون"حال آخر من أصحاب الجنة والمعنى: أن أصحاب الجنة نودوا وهم في حال لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في أن يدخلوها ، أو حال من ضمير الجمع في"لم يدخلوها"وهو العامل فيه ، والمعنى أن أصحاب الجنة نودوا بذلك وهم في الجنة لكنهم لم يدخلوا الجنة على طمع في دخولها لأن ما شاهدوه من أهوال الموقف ودقة الحساب كان أيأسهم من أن يفوزوا بدخول الجنة لكن قوله بعد:"أ هؤلاء الذين"إلى آخر الآية يؤيد أول الاحتمالين وأنهم إنما سلموا عليهم قبل دخولهم الجنة.
وأما احتمال أن تكون الجملتان حالين من ضمير الجمع في"نادوا"فيوجب سقوط الجملة عن الإفادة كما هو ظاهر ، وذلك لرجوع المعنى إلى أن هؤلاء الرجال الذين هم على أعراف الحجاب بين الجنة والنار نادوا وهم لم يدخلوا.
وعلى من يميل إلى أن يجعل قوله:"لم يدخلوها وهم يطمعون"بيانا لحال أصحاب الأعراف أن يجعل قوله:"لم يدخلوها"استئنافا يخبر عن حال أصحاب الأعراف أو صفة لرجال والتقدير: وعلى الأعراف رجال لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا... إلخ كما نقل عن الزمخشري في الكشاف ، .
لكن يبعد الاستئناف أن اللازم حينئذ إظهار الفاعل في قوله:"لم يدخلوها"دون إضماره لمكان اللبس كما فعل ذلك في قوله:"و نادى أصحاب الأعراف رجالا"إلخ ، ويبعد الوصفية الفصل بين الموصوف والصفة بقوله:"و نادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم"من غير ضرورة موجبة.
وهذا التقدير الذي تقدم أعني رجوع معنى قوله:"لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم"إلى آخر الآية ، إلى قولنا: وعلى الأعراف رجال يطمعون في دخول الجنة ويتعوذون من دخول النار - على ما زعموا - هو الذي مهد لهم الطريق وسواه للقول بأن أصحاب الأعراف رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم يترجح لهم أن يدخلوا الجنة أو النار فأوقفوا على الأعراف!.
لكنك عرفت أن قوله"لم يدخلوها"إلخ ، حال أصحاب الجنة لا وصف أصحاب الأعراف ، وأما قوله:"و إذا صرفت أبصارهم"إلخ ، فسيأتي ما في كونه بيانا لحال أصحاب الأعراف من الكلام.