و يسهل حينئذ انطباق مضمونها على الآيات ، ولا يبقى من الإشكال إلا ظهور الآيات في أن المسلم على أهل الجنة هم أصحاب الأعراف والرجال الذين على الأعراف.
والظاهر أن في الروايات اختلالا وهو ناشىء عن سوء فهم بعض النقلة ثم النقل ولعل الذي بينه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعض الأئمة أن هناك جماعة من المستضعفين يدخلهم الله الجنة بشفاعة أو مشية ثم غيره النقل بالمعنى وأخرجه إلى الصورة التي تراها ، وهذا ظاهر كسائر الروايات الواردة عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وغيرهم القائلة إن الرجال على الأعراف هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم مع ما فيها من الاختلاف في المتون وكذا رواية القمي عن الصادق (عليه السلام) فراجعها تعرف صدق ما ادعيناه.
وفي البصائر ، بإسناده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الأعراف ما هم؟ قال: هم أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى. أقول: السائل يأخذ الأعراف والرجال الذين عليه واحدا وعلى ذلك ورد الجواب منه (عليه السلام) فكأنه أخذ جمعا لعرف بمعنى العريف والعارف وفي هذا المعنى روايات كثيرة يأتي بعضها.
وفيه ، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) :"و على الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم"قال: نحن أصحاب الأعراف من عرفنا فمآله إلى الجنة ومن أنكرنا فمآله إلى النار. أقول: قوله من عرفنا ومن أنكرنا إن كان فعلا وفاعلا فهو ، وإن كان فعلا ومفعولا كان على وزان سائر الروايات من عرفهم وعرفوه ، ومن أنكرهم وأنكروه.
وفيه ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له رجل:"و على الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم"فقال له علي (عليه السلام) : نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ونحن الأعراف نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه ، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه وذلك قول الله عز وجل. لو شاء لعرف الناس نفسه حتى يعرفوا حده ويأتونه من بابه ، جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه: . أقول: ورواه أيضا بإسناده عن مقرن عن أبي عبد الله (عليه السلام) والرجل السائل هو ابن الكواء ، وروى هذه القصة أيضا الكليني في الكافي ، عن مقرن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: جاء ابن الكواء ، إلخ.
والظاهر أن المراد بالمعرفة والإنكار في الرواية المعرفة بالحب والبغض أي لا يدخل الجنة إلا من عرفنا بالولاية وعرفناه بالطاعة ، ولا يدخل النار إلا من أنكر ولايتنا وأنكرنا طاعته ، وهذا غير معرفتهم الجميع بأعيانهم ، وإلا أشكل انطباقه على قوله تعالى:"رجال يعرفون كلا بسيماهم"وقوله تعالى:"و نادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم"إلخ ، ولعل ذلك إنما نشأ من نقل بعض الرواة الرواية بالمعنى ، ويؤيد ما استظهرناه ما يأتي في الرواية التالية.
وفي المجمع ، روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده رفعه إلى الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالسا عند علي (عليه السلام) فأتاه ابن الكواء فسأله عن هذه الآية فقال ويحك يا ابن الكواء نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار.
وفي تفسير العياشي ، عن هلقام عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله:"و على الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم"ما يعني بقوله:"على الأعراف رجال؟"قال: أ لستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح؟ قلت: بلى. قال: فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلا بسيماهم. أقول: وهو مبني على أخذ الأعراف جمعا للعرف كأقطاب جمع قطب والعرف هو المعروف من الأمر ولعله مصدر بمعنى المفعول فمعنى"و على الأعراف رجال": وكل على أمورهم وأحوالهم المعروفة منهم رجال ، ولا ينافي ذلك ما تقدم أن الأعراف أعالي الحجاب وكذا ما تقدم في بعض الروايات أن الأعراف كثبان بين الجنة والنار فإن المعرفة التي هي مادة اللفظ حافظة لمعناه في مشتقاته وموارد استعمالها على أي حال.