قوله تعالى: من آمن منهم ، لما سأل (عليه السلام) لبلد مكة الأمن ، ثم سأل لأهله أن يرزقوا من الثمرات ، استشعر: أن الأهل سيكون منهم مؤمنون ، وكافرون ودعاؤه للأهل بالرزق يعم الكافر والمؤمن ، وقد تبرأ من الكافرين وما يعبدونه ، قال تعالى"فلما تبين له أنه عدو لله تبرء منه": التوبة - 114 ، فشهد تعالى له: بالبراءة والتبري عن كل عدو لله ، حتى أبيه ، ولذلك لما استشعر ما استشعره من عموم دعوته قيدها بقوله من آمن منهم - وهو يعلم أن رزقهم من الثمرات لا يتم من دون شركة الكافرين على ما يحكم به ناموس الحياة الدنيوية الاجتماعية - غير أنه خص مسألته - والله أعلم بما يحكم لسائر عباده ، ويريد في حقهم ، فأجيب (عليه السلام) بما يشمل المؤمن والكافر ، وو فيه بيان أن المستجاب من دعوته ما يجري على حكم العادة وقانون الطبيعة من غير خرق للعادة ، وإبطال لظاهر حكم الطبيعة ، ولم يقل: وارزق من آمن من أهله من الثمرات لأن المطلوب استيهاب الكرامة للبلد لكرامة البيت المحرم ، ولا ثمرة تحصل في واد غير ذي زرع ، وقع فيه البيت ، ولو لا ذلك لم يعمر البلد ، ولا وجد أهلا يسكنونه.
قوله تعالى: ومن كفر فأمتعه قليلا ، قرىء فأمتعه من باب الإفعال والتفعيل والإمتاع والتمتيع بمعنى واحد.
قوله تعالى: ثم اضطره إلى عذاب النار إلخ ، فيه إشارة إلى مزيد إكرام البيت وتطييب لنفس إبراهيم (عليه السلام) ، كأنه قيل: ما سألته من إكرام البيت برزق المؤمنين من أهل هذا البلد استجبته وزيادة ، ولا يغتر الكافر بذلك أن له كرامة على الله ، وإنما ذلك إكرام لهذا البلد ، وإجابة لدعوتك بأزيد مما سألته ، فسوف يضطر إلى عذاب النار ، وبئس المصير.
قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ، القواعد جمع قاعدة وهي ما قعد من البناء على الأرض ، واستقر عليه الباقي ، ورفع القواعد من المجاز بعد ما يوضع عليها منها ، ونسبة الرفع المتعلق بالمجموع إلى القواعد وحدها.
وفي قوله تعالى: من البيت تلميح إلى هذه العناية المجازية.
قوله تعالى: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، دعاء لإبراهيم وإسمعيل ، وليس على تقدير القول ، أو ما يشبهه ، والمعنى يقولان: ربنا تقبل منا إلخ ، بل هو في الحقيقة حكاية المقول نفسه ، فإن قوله: يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل حكاية الحال الماضية ، فهما يمثلان بذلك تمثيلا كأنهما يشاهدان وهما مشتغلان بالرفع ، والسامع يراهما على حالهما ذلك ثم يسمع دعاءهما بألفاظهما من غير وساطة المتكلم المشير إلى موقفهما وعملهما ، وهذا كثير في القرآن ، وهو من أجمل السياقات القرآنية - وكلها جميل - وفيه من تمثيل القصة وتقريبه إلى الحس ما لا يوجد ولا شيء من نوع بداعته في التقبل بمثل القول ونحوه.
وفي عدم ذكر متعلق التقبل - وهو بناء البيت - تواضع في مقام العبودية ، واستحقار لما عملا به والمعنى ربنا تقبل منا هذا العمل اليسير إنك أنت السميع لدعوتنا ، العليم بما نويناه في قلوبنا.
قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، من البديهي أن الإسلام على ما تداول بيننا من لفظه ، ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أول مراتب العبودية ، وبه يمتاز المنتحل من غيره ، وهو الأخذ بظاهر الاعتقادات والأعمال الدينية ، أعم من الإيمان والنفاق ، وإبراهيم (عليه السلام) - وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم ، صاحب الملة الحنيفية - أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين ، وكذا ابنه إسمعيل رسول الله وذبيحه ، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك ، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك ، وهما في ما هما فيه من القربى والزلفى ، والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرم ، وهما أعلم بمن يسألانه ، وأنه من هو ، وما شأنه ، على أن هذا الإسلام من الأمور الاختيارية التي يتعلق بها الأمر والنهي كما قال تعالى:"إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين": البقرة - 131 ، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه أو مسألة ما هو فعل اختياري للإنسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصح معها ذلك.