فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 4314

فهذا الإسلام المسئول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه ، فإن الإسلام مراتب والدليل على أنه ذو مراتب قوله تعالى:"إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت"الآية حيث يأمرهم إبراهيم بالإسلام وقد كان مسلما ، فالمراد بهذا الإسلام المطلوب غير ما كان عنده من الإسلام الموجود ، ولهذا نظائر في القرآن.

فهذا الإسلام هو الذي سنفسره من معناه ، وهو تمام العبودية وتسليم العبد كل ما له إلى ربه ، وهو إن كان معنى اختياريا للإنسان من طريق مقدماته إلا أنه إذا أضيف إلى الإنسان العادي وحاله القلبي المتعارف كان غير اختياري بمعنى كونه غير ممكن النيل له - وحاله حاله - كسائر مقامات الولاية ومراحله العالية ، وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الإنسان المتعارف المتوسط الحال بواسطة مقدماته الشاقة ، ولهذا يمكن أن يعد أمرا إلهيا خارجا عن اختيار الإنسان ، ويسأل من الله سبحانه أن يفيض به ، وأن يجعل الإنسان متصفا به.

على أن هنا نظرا أدق من ذلك ، وهو أن الذي ينسب إلى الإنسان ويعد اختياريا له ، هو الأفعال ، وأما الصفات والملكات الحاصلة من تكرر صدورها فليست اختيارية بحسب الحقيقة ، فمن الجائز أو الواجب أن ينسب إليه تعالى ، وخاصة إذا كانت من الحسنات والخيرات التي نسبتها إليه تعالى ، أولى من نسبتها إلى الإنسان ، وعلى ذلك جرى ديدن القرآن ، كما في قوله تعالى:"رب اجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي": إبراهيم - 40 ، وقوله تعالى:"و ألحقني بالصالحين": الشعراء - 83 ، وقوله تعالى:"رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ، وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضيه": النمل - 18 ، وقوله تعالى:"ربنا واجعلنا مسلمين لك"الآية ، فقد ظهر أن المراد بالإسلام غير المعنى الذي يشير إليه قوله تعالى:"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم": الحجرات - 14 ، بل معنى أرقى وأعلى منه سيجيء بيانه.

قوله تعالى: وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، يدل على ما مر من معنى الإسلام أيضا ، فإن المناسك جمع منسك بمعنى العبادة ، كما في قوله تعالى:"و لكل أمة جعلنا منسكا": الحج - 34 ، أو بمعنى المتعبد ، أعني الفعل المأتي به عبادة وإضافة المصدر يفيد التحقق ، فالمراد بمناسكنا هي الأفعال العبادية الصادرة منهما والأعمال التي يعملانها دون الأفعال ، والأعمال التي يراد صدورها منهما ، فليس قوله: أرنا بمعنى علمنا أو وفقنا ، بل التسديد بآرائه حقيقة الفعل الصادر منهما ، كما أشرنا إليه في قوله تعالى:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات ، وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة": الأنبياء - 73 ، وسنبينه في محله: أن هذا الوحي تسديد في الفعل ، لا تعليم للتكليف المطلوب ، وكأنه إليه الإشارة بقوله تعالى:"و اذكر عبادنا إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": ص - 46.

فقد تبين أن المراد بالإسلام والبصيرة في العبادة ، غير المعنى الشائع المتعارف ، وكذلك المراد بقوله تعالى: وتب علينا ، لأن إبراهيم وإسماعيل كانا نبيين معصومين بعصمة الله تعالى ، لا يصدر عنهما ذنب حتى يصح توبتهما منه ، كتوبتنا من المعاصي الصادرة عنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت