فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 4314

قوله تعالى:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"- الخلق - هو التقدير بضم شيء إلى شيء وإن استقر ثانيا في عرف الدين وأهله في معنى الإيجاد أو الإبداع على غير مثال سابق ، وأما - الأمر - فيستعمل في معنى الشأن وجمعه أمور ، ومصدرا بمعنى يقرب من بعث الإنسان غيره نحو ما يريده يقال أمرته بكذا أمرا ، وليس من البعيد أن يكون هذا هو الأصل في معنى اللفظ ثم يستعمل الأمر اسم مصدر بمعنى نتيجة الأمر وهو النظم المستقر في جميع أفعال المأمور المنبسط على مظاهر حياته ، فينطبق في الإنسان على شأنه في الحياة ثم يتوسع فيه فيستعمل بمعنى الشأن في كل شيء فأمر كل شيء هو الشأن الذي يصلح له وجوده ، وينظم له تفاريق حركاته وسكناته وشتى أعماله وإراداته ، يقال: أمر العبد إلى مولاه ، أي هو يدبر حياته ومعاشه ، وأمر المال إلى مالكه ، وأمر الإنسان إلى ربه أي بيده تدبيره في مسير حياته.

ولا يرد عليه أن الأمر بمعنى الشأن يجمع على"أمور"وبمعنى يقابل النهي على"أوامر"وهو ينافي رجوع أحدهما إلى الآخر معنى! ، فإن أمثال هذه التفننات كثيرة في اللغة يعثر عليها المتتبع الناقد فالأمر كالمتوسط بين من يملكه وبين من يملك منه كالمولى والعبد ويضاف إلى كل منهما يقال: أمر العبد وأمر المولى ، قال تعالى:"و أمره إلى الله": البقرة: 275 ، وقال:"أتى أمر الله": النحل: 1.

وقد فسر سبحانه أمره الذي يملكه من الأشياء بقوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس: 83 ، فبين أن أمره الذي يملكه من كل شيء سواء كان ذاتا أو صفة أو فعلا وأثرا هو قول كن وكلمة الإيجاد وهو الوجود الذي يفيضه عليه فيوجد هو به ، فإذا قال لشيء: كن فكان ، فقد أفاض عليه ما وجد به من الوجود ، وهذا الوجود الموهوب له نسبة إلى الله سبحانه وهو بذاك الاعتبار أمره تعالى وكلمة"كن"الإلهية ، وله نسبة إلى الشيء الموجود ، وهو بذاك الاعتبار أمره الراجع إلى ربه ، وقد عبر عنه في الآية بقوله:"فيكون".

وقد ذكر تعالى لكل من النسبتين - وإن شئت فقل: للإيجاد المنسوب إليه تعالى وللوجود المنسوب إلى الشيء - نعوتا وأحكاما مختلفة سنبحث عنها إن شاء الله في محل يناسبه.

والحاصل: أن الأمر هو الإيجاد سواء تعلق بذات الشيء أو بنظام صفاته وأفعاله فأمر ذوات الأشياء إلى الله وأمر نظام وجودها إلى الله لأنها لا تملك لنفسها شيئا البتة ، والخلق هو الإيجاد عن تقدير وتأليف سواء كان ذلك بنحو ضم شيء إلى شيء كضم أجزاء النطفة بعضها إلى بعض وضم نطفة الذكور إلى نطفة الإناث ثم ضم الأجزاء الغذائية إليها في شرائط خاصة حتى يخلق بدن إنسان مثلا ، أم من غير أجزاء مؤلفة كتقدير ذات الشيء البسيط وضم ما له من درجة الوجود وحده وما له من الآثار والروابط التي له مع غيره ، فالأصول الأولية مقدرة مخلوقة كما أن المركبات مقدرة مخلوقة.

قال الله تعالى:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 2 ، وقال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، وقال:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 ، فعمم خلقه كل شيء.

فقد اعتبر في معنى الخلق تقدير جهات وجود الشيء وتنظيمها سواء كانت متمايزة منفصلا بعضها عن بعض أم لا بخلاف الأمر.

ولذا كان الخلق يقبل التدريج كما قال:"خلق السماوات والأرض في ستة أيام"بخلاف الأمر قال تعالى:"و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر: 50 ، ولذلك أيضا نسب في كلامه إلى غيره الخلق كقوله:"و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه": المائدة: 110 ، وقال:"فتبارك الله أحسن الخالقين": المؤمنون: 14.

وأما الأمر بهذا المعنى فلم ينسبه إلى غيره بل خصه بنفسه ، وجعله بينه وبين ما يريد حدوثه وكينونته كالروح الذي يحيا به الجسد.

انظر إلى قوله تعالى:"و الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره"وقوله:"و لتجري الفلك بأمره": الروم: 46 ، وقوله: ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2 ، وقوله:"و هم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 ، إلى غير ذلك من الآيات تجد أنه تعالى يجعل ظهور هذه الأشياء بسببية أمره أو بمصاحبة أمره ، فنلخص أن الخلق والأمر يرجعان بالآخرة إلى معنى واحد وإن كانا مختلفين بحسب الاعتبار."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت