فإذا انفرد كل من الخلق والأمر صح أن يتعلق بكل شيء ، كل بالعناية الخاصة به ، وإذا اجتمعا كان الخلق أحرى بأن يتعلق بالذوات لما أنها أوجدت بعد تقدير ذواتها وآثارها ، ويتعلق الأمر بآثارها والنظام الجاري فيها بالتفاعل العام بينها لما أن الآثار هي التي قدرت للذوات ولا وجه لتقدير المقدر فافهم ذلك.
ولذلك قال تعالى:"ألا له الخلق والأمر"فأتى بالعطف المشعر بالمغايرة بوجه وكان المراد بالخلق ما يتعلق من الإيجاد بذوات الأشياء ، وبالأمر ما يتعلق بآثارها والأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها كما ميز بين الجهتين في أول الآية حيث قال:"خلق السماوات والأرض في ستة أيام"وهذا هو إيجاد الذوات"ثم استوى على العرش يدبر الأمر"وهو إيجاد النظام الأحسن بينها بإيقاع الأمر تلو الأمر والإتيان بالواحد منه بعد الواحد.
وما ربما يقال: إن العطف لا يقتضي المغايرة ، ولو اقتضى ذلك لدل في قوله:"من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل": البقرة: 98 على كون جبريل من غير جنس الملائكة! مدفوع بأن المراد مغايرة ما ولو اعتبارا لقبح قولنا جاءني زيد وزيد ورأيت عمرا وعمرا فلا محيص عن مغايرة ما ولو بحسب الاعتبار ، وجبريل مع كونه من جنس الملائكة يغايره غيره بما له من المقام المعلوم والقوة والمكانة عند ذي العرش.
وقوله تعالى:"تبارك الله رب العالمين"أي كان ذا بركات ينزلها على مربوبيه من جميع من في العالمين فهو ربهم.
كلام في معنى العرش
للناس في معنى العرش بل في معنى قوله:"ثم استوى على العرش"والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة ، فأكثر السلف على أنها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه ، وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينية والتطلع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنة بدعة ، والعقل يخطئهم في ذلك والكتاب والسنة لا يصدقانهم فآيات الكتاب تحرض كل التحريض على التدبر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها والاحتجاج بالحجج العقلية ، ومتفرقات السنة المتواترة معنى توافقها ، ولا معنى للأمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة ، وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة - حتى البحث الكلامي الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ووضعها على ما تفيده بحسب الفهم العامي ثم الدفاع عنها بما تيسر من المقدمات المشهورة والمسلمة عند أهل الدين - ويعدونها بدعة فلنتركهم وشأنهم.
وأما طبقات الباحثين فقد اختلفوا في معناه على أقوال: 1 - حمل الكلمة على ظاهر معناها فالعرش عندهم مخلوق كهيئة السرير له قوائم وهو موضوع على السماء السابعة والله - تعالى عما يقول الظالمون - مستو عليه كاستواء الملوك منا على عروشهم ، وأكثر هؤلاء على أن العرش والكرسي شيء واحد ، وهو الذي وصفناه.
وهؤلاء هم المشبهة من المسلمين ، والكتاب والسنة والعقل تخاصمهم في ذلك وتنزه رب العالمين أن يماثل شيئا من خلقه ويشبهه في ذات ، أو صفة ، أو فعل تعالى وتقدس.
2 -أن العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني والمحدد للجهات والأطلس الخالي من الكواكب ، والراسم بحركته اليومية للزمان ، وفي جوفه مماسا به الكرسي وهو الفلك الثامن الذي فيه الثوابت ، وفي جوفه الأفلاك السبعة الكلية التي هي أفلاك السيارات السبع: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر بالترتيب محيطا بعضها ببعض.
وهذه هي التي يفرضها علم الهيئة على مسلك بطليموس لتنظيم الحركات العلوية الظاهرة للحس طبقوا عليها ما يذكره القرآن من السماوات السبع والكرسي والعرش فما وجدوا من أحكامها المذكورة في الهيئة والطبيعيات لا يخالف الظواهر قبلوه ، وما وجدوه يخالف الظواهر الموجودة في الكتاب ردوه كقولهم: ليس للفلك المحدد وراء لا خلأ ولا ملأ ، وقولهم بدوام الحركات الفلكية ، واستحالة الخرق والالتيام عليها ، وكون كل فلك يماس بسطحه سطح غيره من غير وجود بعد بينها ولا سكنة فيها ، وكون أجسامها بسيطة متشابهة لا ثقب فيها ولا باب.