فهرس الكتاب

الصفحة 1635 من 4314

و الظواهر من القرآن والحديث تثبت أن وراء العرش حجبا وسرادقات ، وأن له قوائم ، وأن له حملة ، وأن الله سيطوي السماء كطي السجل للكتب ، وأن في السماء سكنة من الملائكة ليس فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك راكع أو ساجد يلجونه وينزلون منه ويصعدون إليه ، وأن للسماء أبوابا ، وأن الجنة فيها عند سدرة المنتهى التي ينتهي إليها أعمال العباد إلى غير ذلك مما ينافي بظاهره ما افترضه علماء الهيئة والطبيعيات سابقا ، والقائلون منا إن السماوات والكرسي والعرش هي ما افترضوه من الأفلاك التسعة الكلية يدفعون ذلك كله بمخالفة الظواهر.

ولم ينبههم هذا الاختلاف في الوصف على أن ما يصفه القرآن غير ما يفترضه أولئك لتوجيه الحركات العلوية حتى أوضحت الأبحاث الأخيرة العميقة في الهيئة والطبيعيات المؤيدة بالحس والتجربة بطلان الفرضيات السابقة من أصلها فاضطر هؤلاء إلى فسخ تطبيقهم ورفع اليد عنه.

3 -أن لا مصداق للعرش خارجا وإنما قوله تعالى:"ثم استوى على العرش"و"الرحمن على العرش استوى"كناية عن استيلائه تعالى على عالم الخلق ، وكثيرا ما يطلق الاستواء على الشيء على الاستيلاء عليه كما قيل: قد استوى بشر على العراق.

من غير سيف ودم مهراق.

أو أن الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الأمور كما أن الملوك إذا أرادوا الشروع في إدارة أمور مملكتهم استووا على عروشهم وجلسوا عليه والشروع والأخذ في أمر وجميع ما ينبىء عن تغير الأحوال وتبدلها وإن كانت ممتنعة في حقه تعالى لتنزهه تعالى عن التغير والتبدل لكن شأنه تعالى يسمى شروعا وأخذا بالنظر إلى حدوث الأشياء بذواتها وأعيانها يومئذ فيسمى شأنه تعالى وهو الشمول بالرحمة إذا تعلق بها شروعا وأخذا بالتدبير نظير سائر الأفعال الحادثة المقيدة بالزمان المنسوبة إليه تعالى كقولنا خلق الله فلانا ، وأحيا فلانا ، وأمات فلانا ، ورزق فلانا ، ونحو ذلك.

وفيه: أن كون قوله:"ثم استوى على العرش"جاريا مجرى الكناية بحسب اللفظ وإن كان حقا لكنه لا ينافي أن يكون هناك حقيقة موجودة تعتمد عليها هذه العناية اللفظية ، والسلطة والاستيلاء والملك والإمارة والسلطنة والرئاسة والولاية والسيادة وجميع ما يجري هذا المجرى فينا أمور وضعية اعتبارية ليس في الخارج منها إلا آثارها على ما سمعته منا كرارا في الأبحاث الاعتبارية السابقة ، والظواهر الدينية تشابه من حيث البيان ما عندنا من بيانات أمورنا وشئوننا الاعتبارية لكن الله سبحانه يبين لنا أن هذه البيانات وراءها حقائق واقعية ، وجهات خارجية ليست بوهمية اعتبارية.

فمعنى الملك والسلطنة والإحاطة والولاية وغيرها فيه سبحانه هو المعنى الذي نفهمه من كل هذه الألفاظ عندنا لكن المصاديق غير المصاديق فلها هناك مصاديق حقيقية خارجية على ما يليق بساحة قدسه تعالى وأما ما عندنا من مصاديق هذه المفاهيم فهي أوصاف ذهنية ادعائية وجهات وضعية اعتبارية لا تتعدى الوهم ، وإنما وضعناها وأخذنا بها للحصول على آثار حقيقية هي آثارها بحسب الدعوى فلا يسمى الرئيس رئيسا إلا لأن يتبع الذين نسميهم مرءوسين إراداته وعزائمه لا لأن الجماعة بدون حقيقة وهو رأسهم حقيقة ، ولا نسمي جزء الهيئة المؤتلفة عضوا لأنه يد أو رجل أو كبد أو رئة حقيقة بل لأن يتصدى من الأمور المقصودة في هذا التشكيل والاجتماع ما يتصداه عضو من الأعضاء الموجودة في بدن الإنسان مثلا.

وهذا هو الذي يسميه الله تعالى لعبا ولهوا إذ يقول:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب": العنكبوت: 64 ، فالمقاصد الدنيوية من زينة ومال وأولاد وتقدم ورئاسة وحكومة وأمثالها ليست إلا عناوين وهمية لا تحقق لها إلا في الأوهام ، وليس الاشتغال بها لغير المقاصد الأخروية إلا اشتغالا بأمور وهمية وصور خيالية ، ولا المسابقة في تحصيلها إلا كمسابقة الأطفال في تحصيل التقدم في الملاعب التي يشتغلون بها ، وليس إلا تحصيل حالة خيالية ليس منها في خارجة عين ولا أثر.

وحاشا لله سبحانه أن يذم هذه الحياة الفانية الغارة ، ويسميها لعبا لما تشتمل عليه من الشئون الوهمية ثم يكون تعالى وتقدس أول اللاعبين!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت