فهرس الكتاب

الصفحة 1636 من 4314

و بالجملة قوله تعالى:"ثم استوى على العرش"في عين أنه تمثيل يبين به أن له إحاطة تدبيرية لملكه يدل على أن هناك مرحلة حقيقية هي المقام الذي يجتمع فيه جميع أزمة الأمور على كثرتها واختلافها ، ويدل عليه آيات أخر تذكر العرش وحده وينسبه إليه تعالى كقوله تعالى:"و هو رب العرش العظيم": التوبة: 129 ، وقوله:"الذين يحملون العرش ومن حوله": المؤمن: 7 ، وقوله:"و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية": الحاقة: 17 ، وقوله:"حافين من حول العرش": الزمر: 75.

فالآيات - كما ترى - تدل بظاهرها على أن العرش حقيقة من الحقائق العينية وأمر من الأمور الخارجية ، ولذلك نقول: إن للعرش في قوله:"ثم استوى على العرش"مصداقا خارجيا ، ولم يوضع في الكلام لمجرد تتميم المثل كما نقوله في أمثال كثيرة مضروبة في القرآن فلا نقول في مثل آية النور مثلا: أن في الوجود زجاجة إلهية أو شجرة زيتونة إلهية أو زيتا إلهيا ، ونقول: إن في الوجود عرشا إلهيا أو لوحا وقلما إلهيين وكتابا مكتوبا فافهم ذلك.

وهذا العرش الذي يستفاد من مثل قوله:"ثم استوى على العرش"أنه مقام في الوجود يجتمع فيه أزمة الحوادث والأمور كما يجتمع أزمة المملكة في عرش الملك على التفصيل الذي تقدم في بيان الآية يدل على تحقق هذه الصفة له قوله تعالى:"ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس: 3 ، ففسر الاستواء على العرش بتدبير الأمر منه ، وعقبه بقوله:"ما من شفيع إلا من بعد إذنه"والآية لما كانت في مقام وصف الربوبية والتدبير التكويني كان المراد بالشفاعة الشفاعة في أمر التكوين ، وهو السببية التي توجد في الأسباب التكوينية التي هي وسائط متخللة بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى كالنار المتخللة بينه وبين الحرارة التي يخلقها ، والحرارة المتخللة بينه وبين التخلخل أو ذوبان الأجسام فنفي السببية عن كل شيء إلا من بعد إذنه لإفادة توحيد الربوبية التي يفيده صدر الآية:"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض".

وفي قوله:"ما من شفيع إلا من بعد إذنه"بيان حقيقة أخرى وهي رجوع التخلف في التدبير إلى التدبير بعينه بواسطة الإذن ، فإن الشفيع إنما يتوسط بين المشفوع له المحكوم بحكم ، المشفوع عنده ، ليغير بالشفاعة مجرى حكم سيجري لو لا الشفاعة فالشمس المضيئة بالمواجهة مثلا شفيعة متوسطة بين الله سبحانه وبين الأرض لاستنارتها بالنور ولو لا ذلك لكان مقتضى تقدير الأسباب العامة ونظمها أن تحيط بها الظلمة ثم الحائل من سقف أو أي حجاب آخر شفيع آخر يسأله تعالى أن لا يقع نور الشمس على الأرض باستقامة وهكذا.

فإذا كانت شفاعة الشفيع - وهو سبب مغير لما سبقه من الحكم - مستندة إلى إذنه تعالى كان معناه أن التدبير العام الجاري إنما هو من الله سبحانه ، وأن كل ما يتخذ من الوسائل لإبطال تدبيره وتغيير مجرى حكمه أعم مما يتخذه الأسباب التكوينية وما يتخذه الإنسان من التدابير للفرار عن حكم الأسباب الجارية الإلهية كل ذلك من التدبير الإلهي.

ولذلك نرى الأشياء الردية تعصي فلا تقبل الصور الشريفة والمواهب السامية ، لقصور استعدادها عن قبولها ، وهذا الرد منها بعينه قبول ، والامتناع من قبول التربية بعينه تربية أخرى إلهية والإنسان على ما به من الجهل يستعلي على ربه ويستنكف عن الخضوع لعظمته وهو بعينه انقياد لحكمه ، ويمكر به وهو بعينه ممكور به قال تعالى:"و ما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون": الأنعام: 123 ، وقال تعالى:"و ما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون": آل عمران: 69 ، وقال تعالى:"و ما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير": الشورى: 31.

فقوله:"ما من شفيع إلا من بعد إذنه"يدل على أن شفاعة الشفاعة أو الأسباب المخالفة التي تحول بين التدبير الإلهي وبين مقتضياته داخلة من جهة أخرى وهي جهة الإذن في التدبير الإلهي فافهم ذلك.

فما مثل الأسباب والعوامل المتخالفة المتزاحمة في الوجود إلا كمثل كفتي الميزان تتعاركان بالارتفاع والانخفاض ، والثقل والخفة لكن اختلافهما بعينه اتفاق منهما في إعانة صاحب الميزان في تشخيص ما يريد تشخيصه من الوزن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت