و يقرب من آية سورة يونس في الدلالة على شمول التدبير ونفي مدبر غيره تعالى قوله:"ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أ فلا تتذكرون": السجدة: 4 ، ويقرب من قوله:"ثم استوى على العرش يدبر الأمر"في الإشارة إلى كون العرش مقاما تنتشىء فيه التدابير العامة وتصدر عنه الأوامر التكوينية قوله تعالى:"ذو العرش المجيد فعال لما يريد": البروج: 16 ، وهو ظاهر.
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى:"و ترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق": الزمر: 75 ، فإن الملائكة هم الوسائط الحاملون لحكمه والمجرون لأمره العاملون بتدبيره فليكونوا حافين حول عرشه.
وكذا قوله تعالى:"الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا": المؤمن: 7 ، وفي الآية مضافا إلى ذكر احتفافهم بالعرش شيء آخر وهو أن هناك حملة يحملون العرش ، وهم لا محالة أشخاص يقوم بهم هذا المقام الرفيع والخلق العظيم الذي هو مركز التدابير الإلهية ومصدرها ، ويؤيد ذلك ما في آية أخرى وهي قوله:"و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية": الحاقة: 17.
وإذ كان العرش هو المقام الذي يرجع إليه جميع أزمة التدابير الإلهية والأحكام الربوبية الجارية في العالم كما سمعت ، كان فيه صور جميع الوقائع بنحو الإجمال حاضرة عند الله معلومة له ، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:"ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير": الحديد: 4 ، فقوله:"يعلم ما يلج"إلخ ، يجري مجرى التفسير للاستواء على العرش فالعرش مقام العلم كما أنه مقام التدبير العام الذي يسع كل شيء ، وكل شيء في جوفه.
ولذلك هو محفوظ بعد رجوع الخلق إليه تعالى لفصل القضاء كما في قوله:"و ترى الملائكة حافين من حول العرش"وموجود مع هذا العالم المشهود كما يدل عليه آيات خلق السماوات والأرض ، وموجود قبل هذه الخلقة كما يدل عليه قوله:"و هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء": هود: 7.
قوله تعالى:"ادعوا ربكم تضرعا وخفية"إلى آخر الآيتين.
التضرع هو التذلل من الضراعة وهي الضعف والذلة.
والخفية هي الاستتار وليس من البعيد أن يكون كناية عن التذلل جيء به لتأكيد التضرع فإن المتذلل يكاد يختفي من الصغار والهوان.
الآية السابقة:"إن ربكم الله الذي خلق"الآية تذكر بربوبيته وحده لا شريك له من جهة أنه هو الخالق وحده ، وإليه تدبير خلقه وحده ، فتعقيبها بهاتين الآيتين بمنزلة أخذ النتيجة من البيان ، وهي الدعوة إلى دعائه وعبوديته ، والحكم بأخذ دين يوافق ربوبيته تعالى وهي الربوبية من غير شريك في الخلق ولا في التدبير.
ولذلك دعا أولا إلى دين العبودية فقال:"ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"فأمر أن يدعوه بالتضرع والتذلل وأن يكون ذلك خفته من غير المجاهرة البعيدة عن أدب العبودية الخارجة عن زيها - بناء على أن تكون الواو في"تضرعا وخفية"للجمع - أو أن يدعوه بالتضرع والابتهال الملازم عادة للجهر بوجه أو بالخفية إخفاتا فإن ذلك هو لازم العبودية ومن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبودية وإن الله لا يحب المعتدين.
ومن الممكن أن يكون المراد بالتضرع والخفية: الجهر والسر وإنما وضع التضرع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافيا لأدب العبودية إلا أن يصاحب التضرع.