فهرس الكتاب

الصفحة 1657 من 4314

و في تأكيدهم القول"لنخرجنك"و"لتعودن"بالقسم ونون التأكيد دلالة على قطعهم العزم على ذلك ، ولذا بادر (عليه السلام) بعد استماع هذا القول منهم إلى الاستفتاح من الله سبحانه.

قوله تعالى:"قال أ ولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم"الآية.

أجاب (عليه السلام) بكراهة العود في ملتهم بدليل ما بعده من الجمل ، ولازم ذلك اختيار الشق الآخر على تقدير الاضطرار إلى أحدهما كما أخبروه.

وقد أجاب (عليه السلام) عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه ، وذكر أنه والمؤمنين به جميعا كارهون للعود إلى ملتهم فإن في ذلك افتراء للكذب على الله سبحانه بنسبة الشركاء إليه ، وما يتبعها من الأحكام المفتراة في دين الوثنية فقوله:"قد افترينا على الله كذبا"الآية.

بمنزلة التعليل لقوله:"أ ولو كنا كارهين".

ومن أسخف الاستدلال الاحتجاج بقوله:"إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها"على أن شعيبا (عليه السلام) كان قبل نبوته مشركا وثنيا - حاشاه - وقد تقدم آنفا أنه يتكلم عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه وقد كانوا كفارا مشركين قبل الإيمان به فأنجاهم الله من ملة الشرك وهداهم بشعيب إلى التوحيد فقول شعيب:"نجانا الله"تكلم عن المجموع بنسبة وصف الجل إلى الكل ، هذا لو كان المراد بالتنجية التنجية الظاهرية من الشرك الفعلي وأما لو أريد بها التنجية الحقيقية وهي الإخراج من كل ضلال محقق موجود أو مقدر مترقب كان شعيب - وهو لم يشرك بالله طرفة عين - وقومه - وهم كانوا مشركين قبل زمان إيمانهم بشعيب - جميعا ممن نجاهم الله من الشرك إذ لا يملك الإنسان لنفسه الهالكة ضرا ولا نفعا وما أصابه من خير فهو من الله سبحانه.

وقوله:"و ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا"كالإضراب والترقي بالجواب القاطع كأنه قال: نحن كارهون العود إلى ملتكم لأن فيه افتراء على الله بل إن ذلك مما لا يكون البتة ، وذلك أن كراهة شيء إنما توجب تعسر التلبس به دون تعذره فأجاب (عليه السلام) ثانيا بتعذر العود بعد جوابه أولا بتعسره ، وهو ما ذكرناه من الإضراب والترقي.

ولما كان قوله:"و ما يكون لنا أن نعود فيها"في معنى أن يقال:"لن نعود إليها أبدا"والقطع في مثل هذه العزمات مما هو بعيد عن أدب النبوة فإنه في معنى: لن نعود على أي تقدير فرض حتى لو شاء الله ، وهو من الجهل بمقامه تعالى ، استثنى مشية الله سبحانه فقال:"إلا أن يشاء الله ربنا"فإن الإنسان كيفما كان جائز الخطإ فمن الجائز أن يخطىء بذنب فيعاقبه الله بسلب عنايته به فيطرده من دينه فيهلك على الضلال.

وفي الجمع بين الاسمين في قوله:"الله ربنا"إشارة إلى أن الله الذي يحكم ما يشاء هو الذي يدبر أمرنا وهو إله ورب ، على ما يقتضيه دين التوحيد لا كما يعلمه دين الوثنية فإنه يسلم الألوهية لله ثم يفرز الربوبية بمختلف شئونها بين الأوثان ويسميها رب البحر ورب البر وهكذا.

وقوله:"وسع ربنا كل شيء علما"كالتعليل لتعقيب الكلام بالاستثناء كأنه قيل لما استثنيت بعد ما أطلقت الكلام وقطعت في العزم؟ فقال: لأنه وسع ربي كل شيء علما ولا أحيط من علمه إلا بما شاء فمن الجائز أن يتعلق مشيته بشيء غائب عن علمي ساءني أو سرني كان يتعلق علمه بأنا سنخالفه في بعض أوامره فيشاء عودنا إلى ملتكم ، وإن كنا اليوم كارهين له ، ولعل هذا المعنى هو السبب في تعقيب هذا القول بمثل قوله:"على الله توكلنا"فإن من يتوكل على الله كان حسبه وصانه من شر ما يخاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت