فهرس الكتاب

الصفحة 1658 من 4314

و لما بلغ الكلام هذا البلغ وقد أخبروهم بعزمهم على أحد الأمرين: الإخراج أو العود ، وأخبرهم شعيب (عليه السلام) بالعزم القاطع على عدم العود إلى ملتهم البتة التجأ (عليه السلام) إلى ربه واستفتح بقوله عن نفسه وعن المؤمنين:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين"يسأل ربه أن يفتح بينهم أي بين شعيب والمؤمنين به ، وبين المشركين من قومه ، وهو الحكم الفصل فإن الفتح بين شيئين يستلزم إبعاد كل منهما عن صاحبه حتى لا يماس هذا ذاك ولا ذاك هذا دعا (عليه السلام) بالفتح وكنى به عن الحكم الفصل وهو الهلاك أو هو بمنزلته وأبهم الخاسر من الرابح والهالك من الناجي وهو يعلم أن الله سينصره وأن الخزي اليوم والسوء على الكافرين لكنه (عليه السلام) أخذ بالنصفة للحق وتأدب بإرجاع الأمر في ذلك إلى الله كما أتى بنظير ذلك في قوله السابق:"فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين".

وخير الحاكمين وخير الفاتحين اسمان من أسماء الله الحسنى ، وقد تقدم البحث عن معنى الحكم فيما مر ، وعن معنى الفتح آنفا ، وسيجيء الكلام المستوفى في الأسماء الحسنى في تفسير قوله تعالى:"و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها": الآية 180 من السورة إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و قال الملأ الذين كفروا من قومه"إلى آخر الآية.

هذا تهديد منهم لمن آمن بشعيب أو أراد أن يؤمن به ويكون من جملة الإيعاد والصد اللذين كان شعيب ينهى عنهما بقوله:"و لا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله"ويكون إفراد هذا بالذكر هاهنا من بين سائر أقوالهم ليكون كالتوطئة والتمهيد لما سيأتي من قولهم بعد ذكر هلاكهم:"الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين".

ويحتمل أن يكون الاتباع بمعناه الظاهر العرفي وهو اقتفاء أثر الماشي على الطريق والسالك السبيل بأن يكون الملأ المستكبرون لما اضطروه ومن معه إلى أحد الأمرين: الخروج من أرضهم أو العود في ملتهم ثم سمعوه يرد عليهم العود إلى ملتهم ردا قاطعا ثم يدعو بمثل قوله:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين"لم يشكوا أنه سيتركهم ويهاجر إلى أرض غير أرضهم ، ويتبعه في هذه المهاجرة المؤمنون به من القوم خاطبوا عند ذلك طائفة المؤمنين بقولهم:"لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون"فهددوهم وخوفوهم بالخسران إن تبعوه في الخروج من أرضهم ليخرج شعيب وحده فإنهم إنما كانوا يعادونه إياه بالأصالة ، وأما المؤمنون فإنما كانوا يبغضون من جهته ولأجله.

وعلى أي الوجهين كان فالآية كالتوطئة والتمهيد للآية الآتية:"الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين"كما تقدمت الإشارة إليه.

قوله تعالى:"فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين"أصبحوا أي صاروا أو دخلوا في الصباح ، وقد تقدم معنى الآية في نظيرتها من قصة صالح.

قوله تعالى:"الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها - إلى قوله - الخاسرين"قال الراغب في المفردات ،: وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره بغنى قال: كأن لم يغنوا فيها انتهى.

و"كأن"مخفف كأن خفف لدخوله الجملة الفعلية.

فقوله:"الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها"فيه تشبيه حال المكذبين من قومه بمن لم يطيلوا الإقامة في أرضهم فإن أمثال هؤلاء يسهل زوالهم لعدم تعلقهم بها في عشيرة أو أهل أو دار أو ضياع وعقار ، وأما من تمكن في أرض واستوطنها وأطال المقام بها وتعلق بها بكل ما يقع به التعلق في الحياة المادية فإن تركها له متعسر كالمتعذر وخاصة ترك الأمة القاطنة في أرض أرضها وما اقتنته فيها طول مقامها.

وقد ترك هؤلاء وهم أمة عريقة في الأرض دارهم وما فيها ، في أيسر زمان أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.

وقد كانوا يزعمون أن شعيبا ومن تبعه منهم سيحشرون فخاب ظنهم وانقلبت الدائرة عليهم فكانوا هم الخاسرين فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت