قوله تعالى:"أ وأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون"الضحى صدر النهار حين تنبسط الشمس ، والمراد باللعب الأعمال التي يشتغلون بها لرفع حوائج الحياة الدنيا والتمتع من مزايا الشهوات ، وهي إذا لم تكن في سبيل السعادة الحقيقية ، وطلب الحق كانت لعبا ، فقوله:"و هم يلعبون كناية عن العمل للدنيا وربما قيل: إنه استعارة أي يشتغلون بما لا نفع فيه كأنهم يلعبون ، وليس ببعيد أن يكون قوله في الآية السابقة"و هم نائمون"كناية عن الغفلة."
ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"أ فأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون"مكر به مكرا أي مسه بالضرر أو بما ينتهي إلى الضرر وهو لا يشعر وهو إنما يصح منه تعالى إذا كان على نحو المجازاة كأن يأتي الإنسان بالمعصية فيؤاخذه الله بالعذاب من حيث لا يشعر أو يفعل به ما يسوقه إلى العذاب وهو لا يشعر ، وأما المكر الابتدائي من غير تحقق معصية سابقة فمما يمتنع عليه تعالى وقد مرت الإشارة إليه كرارا.
وما ألطف قوله تعالى:"أ فأمن أهل القرى"و"أ وأمن أهل القرى"ثم قوله"أ فأمنوا مكر الله"، والثالث - وهو الذي في هذه الآية - جمع وتلخيص للإنكارين السابقين في الآيتين ، وقد أظهر في الآيتين جميعا من غير أن يقول في الثانية: أ وأمنوا إلخ ليعود الضمير في الآية الثالثة إلى من في الآيتين جميعا كأنه أخذ أهل القرى وهم نائمون غير أهل القرى وهم يلعبون.
وقوله:"فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون"ذلك لأنه تعالى بين في الآيتين الأوليين أن الأمن من مكر الله نفسه مكر إلهي يتعقبه العذاب الإلهي فالآمنون من مكر الله خاسرون لأنهم ممكور بهم بهذا الأمن بعينه.
قوله تعالى:"أ ولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها"إلى آخر الآية.
الظاهر أن فاعل قوله:"يهد"ضمير راجع إلى ما أجمله من قصص أهل القرى ، وقوله"للذين يرثون"مفعوله عدي إليه باللام لتضمينه معنى التبيين ، والمعنى: أ ولم يبين ما تلوناه من قصص أهل القرى للذين يرثون الأرض من بعد أهلها هاديا لهم ، وقوله:"أن لو نشاء أصبناهم"الآية مفعول"يهد"والمراد بالذين يرثون الأرض من بعد أهلها الأخلاف الذين ورثوا الأرض من أسلافهم.
ومحصل المعنى: أ ولم يتبين أخلاف هؤلاء الذين ذكرنا أنا آخذناهم بمعاصيهم بعد ما امتحناهم ثم طبعنا على قلوبهم فلم يستطيعوا أن يسمعوا مواعظ أنبيائهم إنا لو نشاء لأصبناهم بذنوبهم من غير أن يمنعنا منهم مانع أو يتقوا بأسنا بشيء.
وربما قيل: إن قوله:"يهد"منزل منزلة اللازم والمعنى: أ ولم يفعل بهم الهداية أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، ونظيره قوله تعالى:"أ ولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم": الم السجدة: 26. وأما قوله:"و نطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون"فمعطوف على قوله"أصبناهم"لأن الماضي هاهنا في معنى المستقبل ، والمعنى أ ولم يهد لهم أ ولو نشاء نطبع إلخ ، وقيل جملة معترضة تذييلية ، وفي الآية وجوه وأقوال أخر خالية عن الجدوى.
قوله تعالى:"تلك القرى نقص عليك من أنبائها"إلى آخر الآية تلخيص ثان لقصصهم المقصوصة سابقا بعد التلخيص الذي مر في قوله:"و ما أرسلنا في قرية من نبي"إلى آخر الآيتين أو الآيات الثلاث.
والفرق بين التلخيصين أن الأول تلخيص من جهة صنع الله من أخذهم بالبأساء والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثم الأخذ بغتة وهم لا يشعرون ، والثاني تلخيص من جهة حالهم في أنفسهم قبال الدعوة الإلهية ، وهو أنهم وإن جاءتهم رسلهم بالبينات لكنهم لم يؤمنوا لتكذيبهم من قبل وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ، وهذا من طبع الله على قلوبهم.
وقوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل"ظاهر الآية أن قوله"بما"متعلق بقوله"ليؤمنوا"ولازم ذلك أن تكون"ما"موصولة ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 74 فإنه أظهر في كون"ما"موصولة لمكان ضمير"به"ويئول المعنى إلى أنهم كذبوا بما دعوا إليه أولا ثم لم يؤمنوا به عند الدعوة النبوية ثانيا.