و يؤيده ظاهر قوله"فما كانوا ليؤمنوا"فإن هذا التركيب يدل على نفي التهيؤ القبلي يقال: ما كنت لآتي فلانا"و ما كنت لأكرم فلانا وقد فعل كذا أي لم يكن من شأني كذا ولم أكن بمتهيىء لكذا ، وفي التنزيل:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب": آل عمران: 179 ، أي كان في إرادته التمييز من قبل."
وقال تعالى:"لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا": النساء: 137. ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية:"و ما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين"فإن ظاهر السياق أن هذه الآية معطوفة عطف تفسير على قوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل"فيتبين بها أنهم كانوا عهد إليهم بعهد ففسقوا عنه وكذبوا به حين عهد إليهم ثم إذا جاءتهم الرسل بالبينات كذبوهم ولم يؤمنوا بهم ، وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.
والآية أعني قوله:"و لقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل"مذيلة بقوله:"و كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين"فدل ذلك على أن ما وصفه من مجيء الرسل بالبينات وعدم إيمانهم لتكذيبهم بذلك قبلا هو من مصاديق الطبع المذكور ، وحقيقته أن الله ثبت التكذيب في قلوبهم ومكنه من نفوسهم حتى إذا جاءتهم الرسل بالبينات لم يكن محل لقبول دعوتهم لكون المحل مشغولا بضده.
فتنطبق هاتان الآيتان بحسب المعنى على الآيتين الأوليين أعني قوله: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها إلى آخر الآيتين حيث تصفان سنة الله أنه يرسل آيات دالة على حقية أصول الدعوة من التوحيد وغيره بأخذهم بالبأساء والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثم يطبع على قلوبهم جزاء لجرمهم.
وعلى هذا فالمعنى في الآية: لقد جاءتهم رسلهم بالبينات لكنهم لما لم يؤمنوا بالآيات المرسلة إليهم الداعية لهم إلى التضرع إلى الله والشكر لإحسانه بل شكوا فيها بل حملوها على عادة الدهر وتصريف الأيام وتقليبها الإنسان من حال إلى حال فكذبوا بهذه الآيات ، واستقر التكذيب في قلوبهم فلما دعاهم الأنبياء إلى الدين الحق لم يؤمنوا بما كانوا يدعون إليه من الحق وبما كانوا يذكرونهم بها من الآيات لأنهم كذبوا بها من قبل وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فإن الله عز وجل طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون.
فعدم إيمانهم أثر الطبع الإلهي ، والطبع أثر تكذيبهم بدلالة الابتلاء بالبأساء والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثانيا ، ومن الدليل عليه قوله: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين": يونس: 13 ، وقوله:"ثم بعثنا من بعده - يعني نوحا - رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين: يونس: 74 ، وعلى هذا فقوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل"تفريع على قوله:"و لقد جاءتهم رسلهم بالبينات"، والمراد بما كذبوا به الآيات البينات التي ذكرتهم بها الأنبياء من آيات الآفاق والأنفس وما جاءوا به من الآيات المعجزة فالجميع آياته ، والمراد بتكذيبهم بها من قبل ، تكذيبهم بها من حيث دلالة عقولهم بمشاهدتها أنهم مربوبون لله لا رب سواه ، وبعدم إيمانهم ثانيا عدم إيمانهم بها حين يذكرهم بها الأنبياء.
فالمعنى فما كانوا ليؤمنوا بما يذكرهم به ويأتي به الأنبياء من الآيات التي كذبوا بها حين ذكرتهم بها عقولهم ، وأرسلها الله إليهم ليذكروا ويتضرعوا إليه ويشكروا له.
وعلى هذا فالمراد بالعهد في قوله في الآية التالية:"و ما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين"هو العهد الذي عهده الله سبحانه إليهم من طريق العقل بلسان الآيات: أن لا يعبدوا إلا إياه ، والمراد بالفسق خروجهم عن ذلك العهد بعدم الوفاء به.
ولهذا العهد تحقق سابق على هذا التحقق وهو أن الله سبحانه أخذه بعينه منهم حين خلقهم وسواهم بخلق أبيهم آدم وتسويته ثم جعله مثالا للإنسانية العامة فأسجد له الملائكة وأدخله الجنة ثم عهد إليه حين أمر بهبوطه الأرض أن يعبده هو وذريته ولا يشركوا به شيئا.