فهرس الكتاب

الصفحة 1666 من 4314

و قد قدر الله سبحانه هنالك ما قدر فهدى بحسب تقديره قوما ولم يهد آخرين ثم إذا وردوا الدنيا وأخذوا في سيرهم في مسير الحياة اهتدى الأولون ، وفسق عن عهده الآخرون حتى طبع الله على قلوبهم وحقت عليهم الضلالة في الدنيا بعد أعمالهم السيئة كما تقدم بيانه في تفسير قوله:"كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة: الآية 30 من السورة."

فمعنى الآية على هذا: فما كانوا ليؤمنوا عند دعوة الأنبياء بما كذبوا به ولم يقبلوه عند أخذ العهد الأول ، وما وجدنا لأكثرهم من وفاء في الدنيا بالعهد الذي عهدناه هناك وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين خارجين عن حكم ذلك العهد.

فهذا معنى لكنه غير مناف للمعنى السابق فإن أحد المعنيين في طول الآخر وليسا بمتعارضين فإن تعين طريق الإنسان وغايته من سعادة وشقاوة بحسب القدر لا ينافي إمكان سعادته وشقاوته في الدنيا ، وإناطة تحقق كل منهما باختياره ذلك وانتخابه وللقوم في تفسير الآية أقوال أخر: 1 -: أن المراد بتكذيبهم من قبل ، تكذيبهم من حين مجيء الرسل إلى حين الإصرار والعناد وبقوله:"فما كانوا ليؤمنوا"إلخ ، كفرهم حين الإصرار ، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا حين العناد بما كذبوا به من أول الدعوة إلى ذلك الحين ، وهذا وجه سخيف لا شاهد له من جهة اللفظ البتة.

2 -: أن المراد بتكذيبهم قبلا ، تكذيبهم بأصول الشرائع الإلهية التي لا يختلف في شيء منها كالتوحيد والمعاد ، ومسألة حسن العدل وقبح الظلم مثلا مما يستقل به العقل ، وبتكذيبهم بعدا تكذيبهم بتفاصيل الشرائع ، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا بهذه الشرائع المفصلة وهي التي كذبوا بها قبلا إجمالا قبل الدعوة التفصيلية ، وفيه أنه خلاف ظاهر الآية فلا يقال للكفر بالله وبسائر ما ثبوته فطري عند العقل أنه تكذيب.

على أن ما تقدم من القرائن على خلافه يكذبه.

3 -: أن الآية على حد قوله تعالى:"و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه"فالمعنى: ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذبوا به قبل إهلاكهم ، هذا.

وهو أسخف ما قيل في تفسير الآية.

4 -: أن ضمير"كذبوا"راجع إلى أسلافهم كما أن ضمير"ليؤمنوا"للأخلاف والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أسلافهم ، وفيه: أنه قول من غير دليل وظاهر سياق قوله:"فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا"أن مرجع الثلاثة جميعا واحد ، ومن الممكن أن يقرر هذا الوجه بما يرجع إلى الوجه الآتي.

5 -: أن الكلام مبني على أخذ عامة أهل القرى من أسلافهم وأخلافهم واحدا بعث إليه الرسل ، وهم مأخوذون كالشخص الواحد فيكون تكذيب الأسلاف لأنبيائهم تكذيبا من الأخلاف لهم ، وعدم إيمان الأخلاف أيضا عدم إيمان من الأسلاف وهذا كما يذكر القرآن أهل الكتاب وخاصة اليهود ثم يؤاخذ أخلافهم بما قدمته أيدي أسلافهم ، وتنسب إلى لاحقيهم مظالم سابقيهم في آيات كثيرة فيكون المعنى: هو ذا البشر منذ خلقوا إلى اليوم جاءتهم رسلهم بالبينات فما كان يؤمن آخرهم بما كذب به أولهم.

هذا.

وفيه: أنه وإن كان في نفسه معنى صحيحا لكن السياق لا يلائمه فالكلام مسوق لبيان حال الأمم الغابرة كما يدل عليه قوله:"تلك القرى نقص عليك من أنبائها"ولو كانوا مأخوذين على نعت الوحدة الممتدة بامتداد أعصارهم حتى يكون لها أول وآخر وصدر وذيل تكفر بآخرها وذيلها بما كذبت به بأولها وصدرها كان من حق الكلام أن يدل على مثل هذا الاستمرار في قوله:"جاءتهم رسلهم بالبينات"فيقال: كانت تأتيهم رسلهم بالبينات أو ما يؤدي هذا المعنى لا بمثل قوله:"جاءتهم"الظاهر في اعتبار الدفعة والمرة فافهم ذلك.

وذلك كما في قوله تعالى:"كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون": المائدة: 70 ، فمن المعلوم أنه ربما كان المكذبون غير القاتلين ، وقد نسب الجميع إلى مجتمع واحد لكن دل على استمرار مجيء الرسول ، ونظيره قوله:"ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أ بشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله": التغابن: 6 ، وكذا قوله في قصص الأنبياء بعد نوح:"ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل": يونس: 14 ، فإن مفاد قوله"بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم"بعثنا كل رسول إلى قومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت