فهرس الكتاب

الصفحة 1669 من 4314

في تغيير السياق في أول القصة دلالة على تجدد الاهتمام بأمر موسى (عليه السلام) فإنه من أولي العزم صاحب كتاب وشريعة ، وقد ورد الدين ببعثته في مرحلة جديدة من التفصيل بعد المرحلتين اللتين قعطهما ببعثة نوح وإبراهيم (عليه السلام) ، وفي لفظ الآيات شيء من الإشارة إلى تبدل المراحل فقد قال تعالى أولا:"لقد أرسلنا نوحا إلى قومه""و إلى عاد أخاهم هودا""و إلى ثمود أخاهم صالحا"فجرى على سياق واحد لأن هودا وصالحا كانا على شريعة نوح ، ثم غير السياق فقال:"و لوطا إذ قال لقومه"لأن لوطا من أهل المرحلة الثانية في الدين وهي مرحلة شريعة إبراهيم ، وكان لوط على شريعته ثم عاد إلى السياق السابق في بدء قصة شعيب ، ثم غير السياق في بدء قصة موسى بقوله:"ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه"لأنه ثالث أولي العزم صاحب كتاب جديد وشريعة جديدة ، ودين الله وشرائعه وإن كان واحدا لا تناقض فيه ولا تنافي غير أنه مختلف بالإجمال والتفصيل والكمال وزيادته بحسب تقدم البشر تدريجيا من النقص إلى الكمال ، واشتداد استعداده لقبول المعارف الإلهية عصرا بعد عصر إلى أن ينتهي إلى موقف علمي هي أعلى المواقف فيختتم عند ذلك الرسالة والنبوة ، ويستقر الكتاب والشريعة استقرارا لا مطمع بعده في كتاب جديد أو شريعة جديدة ولا يبقى للبشر بعد ذلك إلا التدرج في الكمال من حيث انتشار الدين وانبساطه على المجتمع البشري واستيعابه لهم ، وإلا التقدم من جهة التحقق بحقائق المعارف ، والترقي في مراقي العلم والعمل التي يدعو إليها الكتاب ، ويحرض عليها الشريعة والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فقوله تعالى:"ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا"إلى آخر الآية.

إجمال لقصة موسى (عليه السلام) ثم يؤخذ في التفصيل من قوله:"و قال موسى يا فرعون"الآية ، وإنا وإن كنا نسمي هذه القصص بقصة موسى وقصة نوح وقصة هود وهكذا فإنها بحسب ما سردت في هذه السورة قصص الأمم والأقوام الذين أرسل إليهم هؤلاء الرسل الكرام يذكر فيها حالهم فيما واجهوا به رسل الله من الإنكار والرد ، وما آل إليه أمرهم من نزول العذاب الإلهي الذي أفنى جمعهم ، وقطع دابرهم ولذلك ترى أن عامة القصص المذكورة مختومة بذكر نزول العذاب وهلاك القوم.

ولا تنس ما قدمناه في مفتتح الكلام أن الغرض منها بيان حال الناس في قبول العهد الإلهي المأخوذ منهم جميعا ليكون إنذارا للناس عامة وذكرى للمؤمنين خاصة ، وأنه الغرض الجامع بين ما في سور"الم"وما في سورة"ص"من الغرض وهو الإنذار والذكرى.

فقوله:"ثم بعثنا من بعدهم"أي من بعد من ذكروا من الأنبياء وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب (عليهما السلام) "موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه"أي إلى ملك مصر والأشراف الذين حوله ، و"فرعون"لقب كان يطلق على ملوك مصر كالخديو كما كان يلقب بقيصر وكسرى وفغفور ملوك الروم وإيران والصين ، ولم يصرح القرآن الكريم باسم هذا الفرعون الذي أرسل إليه موسى فأغرقه الله بيده.

وقوله:"بآياتنا"الظاهر أن المراد بها ما أتى به في أول الدعوة من إلقاء العصا فإذا هي ثعبان ، وإخراج يده من جيبه فإذا هي بيضاء ، والآيات التي أرسلها الله إليهم بعد ذلك من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ، ولم ينقل القرآن الكريم لنبي من الأنبياء من الآيات الكثيرة ما نقله عن موسى (عليه السلام) .

وقوله:"فظلموا بها"أي بالآيات التي أرسل بها على ما سيذكره الله سبحانه في خلال القصة ، وظلم كل شيء بحسبه ، وظلم الآيات إنما هو التكذيب بها والإنكار لها.

وقوله:"فانظر كيف كان عاقبة المفسدين"ذكر عاقبة الإفساد في الاعتبار بأمرهم لأنهم كانوا يفسدون في الأرض ويستضعفون بني إسرائيل ، وقد كان في متن دعوة موسى حين ألقاها إلى فرعون:"فأرسل معي بني إسرائيل"وفي سورة طه:"فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم": طه: 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت