قوله تعالى:"و قال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين"شروع في تفصيل قصة الدعوة كما تقدمت الإشارة إليه ، وقد عرف نفسه بالرسالة ليكون تمهيدا لذكر ما أرسل لأجله ، وذكره تعالى باسمه رب العالمين أنسب ما يتصور في مقابلة الوثنيين الذين لا يرون إلا أن لكل قوم أو لكل شأن من شئون العالم وطرف من أطرافه ربا على حدة.
قوله تعالى:"حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق"إلى آخر الآية تأكيد لصدقه في رسالته أي أنا حري بأن أقول قول الحق ولا أنسب إلى الله في رسالتي منه إليك شيئا من الباطل لم يأمرني به الله سبحانه ، وقوله:"قد جئتكم ببينة من ربكم"في موضع التعليل بالنسبة إلى جميع ما تقدم أو بالنسبة إلى قوله:"إني رسول من رب العالمين"لأنه هو الأصل الذي يتفرع عليه غيره.
ولعل تعدية"حقيق"بعلى من جهة تضمينه معنى حريص أي حريص على كذا حقيقا به ، والمعروف في اللغة تعدية حقيق بمعنى حري بالباء يقال: فلان حقيق بالإكرام أي حري به لائق.
وقرىء:"حقيق علي"بتشديد الياء والحقيق على هذا مأخوذ من حق عليه كذا أي وجب ، والمعنى واجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق فالحقيق خبر ومبتدؤه قوله: أن لا أقول ، الآية والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين"الشرط في صدر الآية أعني قوله:"إن كنت جئت بآية"يتضمن صدقه (عليه السلام) فإنه إذا كان جائيا بآية واقعة فقد صدق في إخباره بأنه قد جاء بآية لكن الشرط في ذيل الآية تعريض يومىء به إلى أنه ما يعتقد بصدقه في إخباره بوجود آية معه ، فكأنه قال: إن كنت جئت بآية فأت بها وما أظنك تصدق في قولك ، فلا تكرار في الشرط.
قوله تعالى:"فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين"الفاء جوابية كما قيل أي فأجابه بإلقاء عصاه ، وهذه هي فاء التفريع والجواب مستفاد من خصوصية المورد.
والثعبان الحية العظيمة ولا تنافي بين وصفه هاهنا بالثعبان المبين وبين ما في موضع آخر من قوله تعالى:"فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب": القصص: 31 ، والجان هي الحية الصغيرة لاختلاف القصتين كما قيل فإن ذكر الجان إنما جاء في قصة ليلة الطور وقد قال تعالى فيها في موضع آخر:"فألقاها فإذا هي حية تسعى": طه: 20 ، وأما ذكر الثعبان فقد جاء في قصة إتيانه لفرعون بالآيات حين سأله ذلك.
قوله تعالى:"و نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"أي نزع يده من جيبه على ما يدل عليه قوله تعالى:"و اضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء": طه: 22 ، وقوله:"اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء": القصص: 32.
والأخبار وإن وردت فيها أن يده (عليه السلام) كانت تضيء كالشمس الطالعة عند إرادة الإعجاز بها لكن الآيات لا تقص أزيد من أنها كانت تخرج بيضاء للناظرين إلا أن كونها آية معجزة تدل على أنها كانت تبيض ابيضاضا لا يشك الناظرون في أنها حالة خارقة للعادة.
قوله تعالى:"قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم"لم يذكر تعالى ما قاله فرعون عند ذلك ، وإنما الذي ذكر محاورة الملإ بعضهم بعضا كأنهم في مجلس مشاورة يذاكر بعضهم بعضا ويشير بعضهم إلى ما يراه ويصوبه آخرون فيقدمون ما صوبوه من رأي إلى فرعون ليعمل به فهم لما تشاوروا في أمر موسى وما شاهدوه من آياته المعجزة قالوا: إن هذا لساحر عليم ، وإذا كان ساحرا غير صادق فيما يذكره من رسالة الله سبحانه فإنما يتوسل بهذه الوسيلة إلى نجاة بني إسرائيل واستقلالهم في أمرهم ليتأيد بهم ثم يخرجكم من أرضكم ويذهب بطريقتكم المثلى فما ذا تأمرون به في إبطال كيده ، وإخماد ناره التي أوقدها؟ أ من الواجب مثلا أن يقتل أو يصلب أو يسجن أو يعارض بساحر مثله؟.
فاستصوبوا آخر الآراء ، وقدموه إلى فرعون أن أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم.