و من ذلك يظهر أن قوله تعالى:"فما ذا تأمرون"حكاية ما قاله بعض الملإ لبعض وقوله:"قالوا أرجه"إلخ ، حكاية ما قدموه من رأي الجميع إلى فرعون وقد اتفقوا عليه ، وقد حكى الله سبحانه في موضع آخر من كلامه هذا القول بعينه من فرعون يخاطب به ملأه قال تعالى:"قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم": الشعراء: 37.
ويظهر مما في الموضعين أنهم إنما شاوروا حول ما قاله فرعون ثم صوبوه ورأوا أن يجيبه بسحر مثل سحره ، وقد حكى الله أيضا هذا القول عن فرعون يخاطب به موسى حتى بالذي أشار إليه الملأ من معارضة سحره بسحر آخر مثله إذ قال:"قال أ جئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله": طه: 58 ، ولعل ذلك محصل ما خرج من مشاورتهم حول ما قاله فرعون بعد ما قدم إلى فرعون مخاطب به موسى من قبل نفسه.
وللملإ جلسة مشاورة أخرى أيضا بعد قدوم السحرة إلى فرعون ناجى فيها بعضهم بعضا بمثل ما في هذه الآيات قال تعالى:"فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى": طه: 63.
فتبين أن أصل الكلام لفرعون ألقاه إليهم ليتشاوروا فيه ويروا رأيهم فيما يفعل به فرعون فتشاوروا وصدقوا قوله وأشاروا بالإرجاء وجمع السحرة للمعارضة فقبله ثم ذكره لموسى ثم اجتمعوا للمشاورة والمناجاة ثانيا بعد مجيء السحرة واتفقوا أن يجتمعوا عليه ويعارضوه بكل ما يقدرون عليه من السحر صفا واحدا.
قوله تعالى:"يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون"أي يريد أن يتأيد ببني إسرائيل فيتملك مصر ، ويبطل استقلالكم ويخرجكم من أرضكم ، وكثيرا ما كان يتفق في الأعصار السابقة أن يهجم قوم على قوم فيتغلبوا عليهم فيشغلوا أرضهم ويتملكوا ديارهم فيخرجوهم منها ويشردوهم في الأرض.
قوله تعالى:"قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين"إلى آخر الآية التالية.
أرجه بسكون الهاء أمر من الإرجاء بمعنى التأخير والهاء للسكت أي أخره وأخاه ولا تعجل لهما بشر كالقتل ونحوه حتى ترمي بظلم أو قسوة ونحوهما بل ابعث في المدائن من جنودك حاشرين يجمعون السحرة فيأتوك بهم ثم عارض سحر موسى بسحر السحرة.
وقرىء: أرجه بكسر الجيم والهاء وأصله أرجئه قلبت الهمزة ياء ثم حذفت ، والهاء ضمير راجع إلى موسى ، وأخوه هو هارون (عليه السلام) .
قوله تعالى:"و جاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا"إلى آخر الآية التالية أي فأرسل حاشرين فحشروهم وجاء السحرة كل ذلك محذوف للإيجاز.
وقولهم:"إن لنا لأجرا"سؤال للأجر جيء به في صورة الخبر للتأكيد ، وإفادة الطلب الإنشائي في صورة الإخبار شائع ، ويمكن أن يكون استفهاما بحذف أداته ، ويؤيده قراءة ابن عامر:"أ إن لنا لأجرا"وقوله:"قال نعم وإنكم لمن المقربين"إجابة لمسئولهم مع زيادة وعدهم بالتقريب.
قوله تعالى:"قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين"خيروه بين أن يكون هو الملقي بعصاه ، وبين أن يكونوا هم الملقين لما أعدوه من الحبال والعصي وهذا التخيير في مقام استعدوا لمقابلته ، ولا محالة يفيد التخيير في الابتداء بالإلقاء فمعناه إن شئت ألق عصاك أولا وإن شئت ألقينا حبالنا وعصينا أولا.
وفيه نوع من التجلد لدلالته على أنهم لا يبالون بأمره سواء ألقى قبلهم أو بعدهم فلا يهابونه على أي حال لوثوقهم بأنهم هم الغالبون ، ولا يخلو التخيير مع ذلك عن نوع من التأدب.
قوله تعالى:"قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس"إلى آخر الآية ، السحر هاهنا نوع تصرف في حاسة الإنسان بإدراك أشياء لا حقيقة لها في الخارج ، وقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان: البقرة: 102 في الجزء الأول من الكتاب ، والاسترهاب الإخافة ، ومعنى الآية ظاهر ، وقد عد الله فيها سحرهم عظيما.