فهرس الكتاب

الصفحة 1683 من 4314

قوله تعالى:"و جاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم"الآية ، العكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم.

ذكره الراغب في المفردات ، وقولهم:"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة"أي كما لهم آلهة مجعولة.

كان بنو إسرائيل على شريعة جدهم إبراهيم (عليه السلام) ، وقد خلا فيهم من الأنبياء إسحاق ويعقوب ويوسف ، وهم على دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا الله سبحانه وحده لا شريك له المتعالي عن أن يكون جسما أو جسمانيا يعرض له شكل أو قدر غير أن بني إسرائيل كما يستفاد من قصصهم كانوا قوما ماديين حسيين يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعتنون بما وراء الحس إلا اعتناء تشريفيا من غير أصالة ولا حقيقة ، وقد مكثوا تحت إسارة القبط سنين متطاولة ، وهم يعبدون الأوثان فتأثرت من ذلك أرواحهم وإن كانت العصبية القومية تحفظ لهم دين آبائهم بوجه.

ولذلك كان جلهم لا يتصورون من الله سبحانه إلا أنه جسم من الأجسام بل جوهر ألوهي يشاكل الإنسان كما هو الظاهر المستفاد من التوراة الدائرة اليوم ، وكلما كان موسى يقرب الحق من أذهانهم حولوه إلى إشكال وتماثيل يتوهمون له تعالى ، لهذه العلة لما شاهدوا في مسيرهم قوما يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم فسألوا موسى (عليه السلام) أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة يعكفون عليها.

فلم يجد موسى (عليه السلام) بدا من أن يتنزل في بيان توحيد الله سبحانه إلى ما يقارب أفهامهم على قصورها فلا مهم أولا على جهلهم بمقام ربهم مع وضوح أن طريق الوثنية طريق باطل هالك ثم عرف لهم ربهم بالصفة ، وأنه لا يقبل صنما ولا يحد بمثال كما سيجيء.

قوله تعالى:"إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون"المتبر من التبار وهو الهلاك ، والمراد بقوله:"ما هم فيه"سبيلهم الذي يسلكونه وهو عبادة الأصنام والمراد بقوله:"ما كانوا يعملون"أعمالهم العبادية ، والمعنى أن هؤلاء الوثنية طريقتهم هالكة وأعمالهم باطلة فلا يحق أن يميل إليه إنسان عاقل لأن الغرض من عبادة الله سبحانه أن يهتدي به الإنسان إلى سعادة دائمة وخير باق.

قوله تعالى:"قال أ غير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين""أبغيكم"أي أطلب لكم وألتمس ، يعرف ربهم ويصفه لهم ، وقوله:"أ غير الله أبغيكم إلها"فيه تأسيس أن كل إله أبغيه لكم بجعل أو صنع فإنما هو غير الله سبحانه ، والذي يجب عليكم أن تعبدوا الله ربكم بصفة الربوبية التي هي تفضيله إياكم على العالمين.

فكأنهم قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال: كيف ألتمس لكم ربا مصنوعا وهو غير الله ربكم ، وإذا كان غيره فعبادته متبرة باطلة؟ فقالوا: فكيف نعبده ولا نراه ولا سبيل لنا إلى ما لا نشاهده؟ كما يقوله عبدة الأصنام.

فقال: اعبدوه بما تعرفونه من صفته فإنه فضلكم على سائر الأمم بآياته الباهرة ودينه الحق وإنجائكم من فرعون وعمله ، فالآية - كما ترى - ألطف بيان وأوجز برهان يجلي عن الحق الصريح للأذهان الضعيفة التعقل.

قوله تعالى:"و إذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب"إلى آخر الآية.

سامه العذاب يسومه أي حمله ذلك على طريق الإذلال ، والتقتيل الإكثار في القتل والاستحياء الاستبقاء للخدمة وقد تقدم ، والظاهر أن قوله:"و في ذلكم"إشارة إلى ما ذكر من سوء تعذيب آل فرعون لهم.

والآية خطاب امتناني للموجودين من أخلافهم حين النزول يمتن الله فيها عليهم بما من به على آبائهم في زمن فرعون كما قيل ، والأنسب بالسياق أن يكون خطابا لأصحاب موسى بعينهم مسوقا سوق التعجب إذا نسوا عظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم من تلك البلية العظيمة ، ونظيره في الغيبة قوله تعالى فيما سيأتي:"أ لم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا".

قوله تعالى:"و واعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة"إلى آخر الآية.

الميقات قريب المعنى من الوقت ، قال في المجمع ،: الفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال ، والوقت وقت الشيء وقدره ، ولذلك قيل: مواقيت الحج وهي المواضع التي قدرت للإحرام فيها انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت