فهرس الكتاب

الصفحة 1684 من 4314

و قد ذكر الله سبحانه المواعدة وأخذ أصلها ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر ليال أخر ثم ذكر الفذلكة وهي أربعون ، وأما الذي ذكره في موضع آخر إذ قال:"و إذ واعدنا موسى أربعين ليلة": البقرة: 51 فهو المجموع المتحصل من المواعدتين أعني أن آية البقرة تدل على أن مجموع الأربعين كان عن مواعدة ، وآية الأعراف على أن ما في آية البقرة مجموع المواعدتين.

وبالجملة يعود المعنى إلى أنه تعالى وعده ثلاثين ليلة للتقريب والتكليم ثم وعده عشرا آخر لإتمام ذلك فتم ميقات ربه أربعين ليلة ، ولعله ذكر الليالي دون الأيام - مع أن موسى مكث في الطور الأربعين بأيامها ولياليها ، والمتعارف في ذكر المواقيت والأزمنة ذكر الأيام دون الليالي - لأن الميقات كان للتقرب إلى الله سبحانه ومناجاته وذكره ، وذلك أخص بالليل وأنسب لما فيه من اجتماع الحواس عن التفرق وزيادة تهيؤ النفس للأنس وقد كان من بركات هذا الميقات نزول التوراة.

وهذا كما يشير إلى مثله قوله تعالى:"يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا - إلى أن قال - إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا": المزمل: 7 ، وقوله تعالى:"و قال موسى لأخيه هرون اخلفني في قومي"إنما قاله حين ما كان يفارقهم للميقات ، والدليل على ذلك قوله: اخلفني في قومي"فإن الاستخلاف لا يكون إلا في غيبة."

وإنما عبر بلفظ"قومي"دون بني إسرائيل لتجري القصة على سياق سائر القصص المذكورة في هذه السورة فقد حكي فيها عن لفظ نوح وهود وصالح وغيرهم: يا قوم يا قوم ، وعلى ذلك أجريت هذه القصة فعبر فيها عن بني إسرائيل في بضعة مواضع بلفظ القوم ، وقد عبر عنهم في سورة طه ببني إسرائيل.

وأما قوله لأخيه ثانيا:"و أصلح ولا تتبع سبيل المفسدين"فهو أمر له بالإصلاح وأن لا يتبع سبيل أهل الفساد ، وهارون نبي مرسل معصوم لا تصدر عنه المعصية ، ولا يتأتى منه اتباع أهل الفساد في دينهم ، وموسى (عليه السلام) أعلم بحال أخيه فليس مراده نهيه عن الكفر والمعصية بل أن لا يتبع في إدارة أمور قومه ما يشير إليه ويستصوبه المفسدون من القوم أيام خلافته ما دام موسى غائبا.

ومن الدليل عليه قوله:"و أصلح"فإنه يدل على أن المراد بقوله:"و لا تتبع سبيل المفسدين"أن يصلح أمرهم ولا يسير فيهم سيرة هي سبيل المفسدين الذي يستحسنونه ويشيرون إليه بذلك.

ومن هنا يتأيد أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور ويتربصون به الدوائر فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر ويكيدوا ويمكروا به فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم بعد تلك المحن والأذايا التي كابدها في إحياء كلمة الاتحاد بينهم.

قوله تعالى:"و لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"الآية التجلي مطاوعة التجلية من الجلاء بمعنى الظهور ، والدك هو أشد الدق ، وجعله دكا أي مدكوكا والخرور هو السقوط ، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواس وبطلان إدراكها ، والإفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواس يقال: أفاق من غشيته أي رجع إلى حال استقامة الشعور والإدراك.

ومعنى الآية على ما يستفاد من ظاهر نظمها أنه"لما جاء موسى لميقاتنا"الذي وقتناه له"و كلمه ربه"بكلامه"قال"أي موسى"رب أرني أنظر إليك"أي أرني نفسك أنظر إليك أي مكني من النظر إليك حتى أنظر إليك وأراك فإن الرؤية فرع النظر ، والنظر فرع التمكين من الرؤية والتمكن منها ،"قال"الله تعالى لموسى"لن تراني"أبدا"و لكن انظر إلى الجبل"وكان جبلا بحياله مشهودا له أشير إليه بلام العهد الحضوري"و لكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"أي لن تطيق رؤيتي فانظر إلى الجبل فإني أظهر له فإن استقر مكانه وأطاق رؤيتي فاعلم أنك تطيق النظر إلي ورؤيتي"فلما تجلى"وظهر"ربه للجبل جعله"بتجليه"دكا"مدكوكا متلاشيا في الجو أو سائحا"و خر موسى صعقا"ميتا أو مغشيا عليه من هول ما رأى"فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك"رجعت إليك مما اقترحته عليك"و أنا أول المؤمنين"بأنك لا ترى.

هذا ظاهر ألفاظ الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت