فهرس الكتاب

الصفحة 1685 من 4314

و الذي يعطيه التدبر فيها أن حديث الرؤية والنظر الذي وقع في الآية إذا عرضناه على الفهم العامي المتعارف حمله على رؤية العين ونظر الأبصار ، ولا نشك ولن نشك أن الرؤية والإبصار يحتاج إلى عمل طبيعي في جهاز الأبصار يهيىء للباصر صورة مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه.

وبالجملة هذا الذي نسميه الإبصار الطبيعي يحتاج إلى مادة جسمية في المبصر والباصر جميعا ، وهذا لا شك فيه.

والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضروريا أن الله تعالى لا يماثله شيء بوجه من الوجوه البتة فليس بجسم ولا جسماني ، ولا يحيط به مكان ولا زمان ، ولا تحويه جهة ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهة له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة.

وما هذا شأنه لا يتعلق به الإبصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة ، ولا تنطبق عليه صورة ذهنية لا في الدنيا ولا في الآخرة ضرورة ، ولا أن موسى ذاك النبي العظيم أحد الخمسة أولي العزم وسادة الأنبياء (عليهم السلام) ممن يليق بمقامه الرفيع وموقفه الخطير أن يجهل ذلك ، ولا أن يمني نفسه بأن الله سبحانه أن يقوي بصر الإنسان على أن يراه ويشاهده سبحانه منزها عن وصمة الحركة والزمان ، والجهة والمكان ، وألواث المادة الجسمية وأعراضها فإنه قول أشبه بغير الجد منه بالجد فما محصل القول: أن من الجائز في قدرة الله أن يقوي سببا ماديا أن يعلق عمله الطبيعي المادي - مع حفظ حقيقة السبب وهوية أثره - بأمر هو خارج عن المادة وآثارها متعال عن القدر والنهاية؟ فهذا الإبصار الذي عندنا وهو خاصة مادية من المستحيل أن يتعلق بما لا أثر عنده من المادة الجسمية وخواصها فإن كان موسى يسأل الرؤية فإنما سأل غير هذه الرؤية البصرية ، وبالملازمة ما ينفيه الله سبحانه في جوابه فإنما ينفي غير هذه الرؤية البصرية فأما هي فبديهية الانتفاء لم يتعلق بها سؤال ولا جواب ، وقد أطلق الله الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه وأثبتها كقوله تعالى"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة": القيامة: 23 ، وقوله:"ما كذب الفؤاد ما رأى": النجم: 11 ، وقوله:"من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت": العنكبوت: 5 ، وقوله:"أ ولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط": حم السجدة: 54 ، وقوله:"فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا": الكهف: 110 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المثبتة للرؤية وما في معناه قبال الآيات النافية لها كما في هذه الآية:"قال لن تراني"، وقوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار": الأنعام: 103 وغير ذلك.

فهل المراد بالرؤية حصول العلم الضروري سمي بها لمبالغة في الظهور ونحوها كما قيل.

لا ريب أن الآيات تثبت علما ما ضروريا لكن الشأن في تشخيص حقيقة هذا العلم الضروري فإنا لا نسمي كل علم ضروري رؤية وما في معناه من اللقاء ونحوه كما نعلم بوجود إبراهيم الخليل وإسكندر وكسرى فيما مضى ولم نرهم ، ونعلم علما ضروريا بوجود لندن وشيكاغو ومسكو ولم نرها ، ولا نسميه رؤية وإن بالغنا ، فأنت تقول: أعلم بوجود إبراهيم (عليه السلام) وإسكندر وكسرى كأني رأيتهم ، ولا تقول رأيتهم أو أراهم ، وتقول: أعلم بوجود لندن وشيكاغو ومسكو ، ولا تقول: رأيتها أو أراها.

وأوضح من ذلك علمنا الضروري بالبديهيات الأولية التي هي لكليتها غير مادية ولا محسوسة مثل قولنا:"الواحد نصف الاثنين"و"الأربعة زوج"و"الإضافة قائمة بطرفين"فإنها علوم ضرورية يصح إطلاق العلم عليها ولا يصح إطلاق الرؤية البتة.

ونظير ذلك جميع التصديقات العقلية الفكرية ، وكذا المعاني الوهمية وبالجملة ما نسميها بالعلوم الحصولية لا نسميها رؤية وإن أطلقنا عليها العلم فنقول علمناها ولا نقول: رأيناها إلا بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى المشاهدة والوجدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت