و الذي ينجلي من كلامه تعالى أن هذا العلم المسمى بالرؤية واللقاء يتم للصالحين من عباد الله يوم القيامة كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة": القيامة: 23 ، فهناك موطن التشرف بهذا التشريف ، وأما في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ، ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية ، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربه ، كادح إلى ربه كدحا ليلاقيه فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتم له حق يلاقي ربه ، قال تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": الإنشقاق: 6 ، وفي معناه آيات كثيرة أخرى تدل على أنه تعالى إليه المرجع والمصير والمنتهى ، وإليه يرجعون وإليه يقلبون.
فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسماه رؤية ولقاء ، ولا يهمنا البحث عن أنها على نحو الحقيقة أو المجاز فإن القرائن كما عرفت قائمة على إرادة ذلك فإن كانت حقيقة كانت قرائن معينة ، وإن كانت مجازا كانت صارفة ، والقرآن الكريم أول كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع ، فالكتب السماوية السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم بالله وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل فإن العلم الحضوري عندهم كان منحصرا في علم الشيء بنفسه حتى كشف عنه في الإسلام فللقرآن المنة في تنقيح المعارف الإلهية.
ولنرجع إلى الآية المبحوث عنها: فقوله:"و لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك"سؤال منه (عليه السلام) للرؤية بمعنى العلم الضروري على ما تقدم من معناه فإن الله سبحانه لما خصه بما حباه من العلم به من جهة النظر في آياته ثم زاد على ذلك أن اصطفاه برسالاته وبتكليمه وهو العلم بالله من جهة السمع رجا (عليه السلام) أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية وهو كمال العلم الضروري بالله ، والله خير مرجو ومأمول.
فهذا هو المسئول دون الرؤية بمعنى الإبصار بالتحديق الذي يجل موسى (عليه السلام) ذاك النبي الكريم أن يجهل بامتناعه عليه تعالى وتقدس.
وقوله.
"قال لن تراني"نفي مؤبد للرؤية ، وإذ أثبت الله سبحانه الرؤية بمعنى العلم الضروري في الآخرة كان تأبيد النفي راجعا إلى تحقق ذلك في الدنيا ما دام للإنسان اشتغال بتدبير بدنه ، وعلاج ما نزل به من أنواع الحوائج الضرورية ، والانقطاع إليه تعالى بتمام معنى الكلمة لا يتم إلا بقطع الرابطة عن كل شيء حتى البدن وتوابعه وهو الموت.
فيئول المعنى إلى أنك لن تقدر على رؤيتي والعلم الضروري بي في الدنيا حتى تلاقيني فتعلم بي علما اضطراريا تريده ، والتعبير في قوله:"لن تراني"ب"لن"الظاهر في تأبيد النفي لا ينافي ثبوت هذا العلم الضروري في الآخرة فالانتفاء في الدنيا يقبل التأبيد أيضا كما في قوله تعالى:"إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا": إسراء: 37 ، وقوله:"إنك لن تستطيع معي صبرا": الكهف: 67.
ولو سلم أنه ظاهر في تأبيد النفي للدنيا والآخرة جميعا فإنه لا يأبى التقييد كقوله تعالى:"و لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم": البقرة: 120 ، فلم لا يجوز أن تكون أمثال قوله تعالى:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"مقيدة لهذه الآية مبينة لمعنى التأبيد المستفاد منها.
والذي ذكرناه من رجوع نفي الرؤية في قوله:"لن تراني"إلى نفي الطاقة والاستطاعة يؤيده قوله بعده:"و لكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"فإن فيه تنظير إراءة نفسه لموسى (عليه السلام) بتجليه للجبل ، والمراد أن ظهوري وتجليي للجبل مثل ظهوري لك فإن استقر الجبل مكانه أي بقي على ما هو عليه وهو جبل عظيم في الخلقة قوي في الطاقة فإنك أيضا يرجى أن تطيق تجلي ربك وظهوره.
فقوله:"و لكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"ليس باستدلال على استحالة التجلي كيف وقد تجلى له؟ بل إشهاد وتعريف لعدم استطاعته وإطاقته للتجلي وعدم استقراره مكانه أي بطلان وجوده لو وقع التجلي كما بطل الجبل بالدك.
وقد دل عليه قوله:"فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا"وبصيرورة الجبل دكا أي مدكوكا متحولا إلى ذرات ترابية صغار بطلت هويته وذهبت جبليته وقضى أجله.