فهرس الكتاب

الصفحة 1688 من 4314

و قوله:"و خر موسى صعقا"ظاهر السياق أن الذي أصعقه هو هول ما رأى وشاهد غير أنه يجب أن يتذكر أنه هو الذي ألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين تلقف الألوف من الثعابين والحيات ، وفلق البحر فأغرق الألوف ثم الألوف من آل فرعون في لحظة ورفع الجبل فوق رءوس بني إسرائيل كأنه ظلة ، وأتى بآيات هائلة أخرى وهي أهول من اندكاك جبل ، وأعظم ، ولم يصعقه شيء من ذلك ولم يدهشه.

واندكاك الجبل أهون من ذلك ، وهو بحسب الظاهر في أمن من أن يصيبه في ذلك خطر فإن الله إنما دكه ليشهده كيفية الأمر!.

فهذا كله يشهد أن الذي أصعقه إنما هو ما تمثل له من معنى ما سأله وعظمة القهر الإلهي الذي أشرف أن يشاهده ولم يشاهده هو وإنما شاهده الجبل فآل أمره إلى ذاك الاندكاك العجيب الذي لم يستقر معه مكانه ولا طرفة عين ، ويشهد بذلك أيضا توبته (عليه السلام) بعد الإفاقة كما سيأتي.

وقوله:"فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين"توبة ورجوع منه (عليه السلام) بعد الإفاقة إذ تبين له أن الذي سأله وقع في غير موقعه فأخذته العناية الإلهية بتعريفه ذلك وتعليمه عيانا بإشهاده دك الجبل بالتجلي أنه غير ممكن.

فبدأ بتنزيهه تعالى وتقديسه عما كان يرى من إمكان ذلك ثم عقبه بالتوبة عما أقدم عليه وهو يطمع في أن يتوب عليه ، وليس من الواجب في التوبة أن تكون دائما عن معصية وجرم بل هو الرجوع إليه تعالى لشائبة بعد كيف كان كما تقدم البحث فيه في الجزء الرابع من الكتاب.

ثم عقب (عليه السلام) ذلك بالإقرار والشهادة بقوله:"و أنا أول المؤمنين"أي أول المؤمنين من قومي بأنك لا ترى.

هذا ما يدل عليه المقام ، وإن كان من المحتمل أن يكون المراد وأنا أول المؤمنين من بين قومي بما آتيتني وهديتني إليه آمنت بك قبل أن يؤمنوا فحقيق بي أن أتوب إليك إذا علق بي تقصير أو قصور.

لكنه معنى بعيد.

قوله تعالى:"قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين"المراد بالاصطفاء الاختيار على وجه التصفية ، ولذلك عدي إلى الناس بعلى ، والمراد بالرسالات هو ما حمل من الأوامر والنواهي الإلهية من المعارف والحكم والشرائع ليبلغه الناس سواء كان التحميل بواسطة ملك أو بتكليم بلا واسطة ملك فهي غير الكلام وإن حملت بكلام فإن الكلام أمر ، والمعاني التي يتلقاها السامع منه أمر آخر.

والمراد بالكلام هو ما شافه به الله سبحانه من غير واسطة ملك وبعبارة أخرى هو ما يكشف به عن مكنون الغيب ، وأما أن يكون من نوع الكلام الدائر بيننا معاشر الإنسان فلا فإن الكلام عندنا هو أنا نصطلح ونتعهد فيما بيننا على تخصيص صوت مخصوص من الأصوات لمعنى من المعاني لينتقل ذهن السامع إلى ذلك المعنى ثم نتوسل عند إرادة تفهيمه إلى إيجاد تموج خاص في الهواء يبتدي منا وينتهي إلى السامع لننقل به ما في ضميرنا إلى ضمير السامع المخاطب والتكلم بهذا الوجه يستلزم التجسم في المتكلم والله سبحانه منزه عنه ، ومجرد إيجاد الصوت وتمويج الهواء بإيجاد أسباب الصوت في مكان لا يدل على كون المعاني التي ينتقل إليها الذهن مقصودة لله سبحانه ما لم تكشف الإرادة بأمر آخر وراء نفس الصوت كما أن من أوجد منا بدق أو ضرب أو نحوهما صوتا يدل على معنى لم نحكم بإرادته ذلك ما لم يكشف من حاله أو مقاله قبلا أنه قاصد لمعنى ما يوجده من الأصوات.

وما كلم به الله سبحانه موسى (عليه السلام) مما حكاه القرآن الشريف خال عن سؤال الدليل على كونه كلامه ، وعلى كونه تعالى مريدا لمعناه فلم يسأل موسى ربه حين سمع النداء من جانب الطور الأيمن من الشجرة: هل هذا منك يا رب؟ وهل أنت مريد معناه؟ بل أيقن بذلك إيقانا ، ونظير الكلام جار في سائر أقسام الوحي غير الكلام.

وهذا يكشف كشفا قطعيا عن ارتباط خاص من السامع بإرادة مصدر الكلام والوحي يوجب الانتقال إلى المعنى المقصود وإلا فمجرد صدور صوت له معنى مفهوم في اللغة منه تعالى لا يستلزم صحة الانتساب إليه تعالى ولا كونه كلامه كيف؟ وجميع الألفاظ الصادرة من المتكلمين بما أنها أصوات تنتهي إليه تعالى وليست كلاما له تعالى بل المتكلم بها غيره ، وكثيرا ما يحدث من تصادم الأجسام المختلفة أصوات ذوات معان في اللغة ولا نعده كلاما له تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت