فهرس الكتاب

الصفحة 1689 من 4314

و بالجملة تكليمه تعالى هو إيجاده اتصالا وارتباطا خاصا بين مخاطبه وبين الغيب ينتقل به بمشاهدة بعض مخلوقاته إلى معنى مراد ، ولا نمنع مقارنة ذلك بأصوات يوجدها الله تعالى في خارج أو سمع أو غير ذلك ، وقد تقدم بعض الكلام في الكلام فيما تقدم.

وسيأتي منه تتمة في تفسير سورة الشورى إن شاء الله تعالى.

وكيف كان فقوله تعالى:"قال يا موسى إني اصطفيتك"الآية.

وارد في مورد الامتنان وموعظة لموسى (عليه السلام) أن يكتفي بما اصطفاه الله به من رسالاته وكلامه ويشكره ولا يستزيد.

قوله تعالى:"و كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء"الآية.

اللوح صحيفة معدة للكتابة فيه لأنه يلوح ويظهر بما فيه من الخط وأصله من لاح البرق إذا لمع.

وقوله:"من كل شيء"من فيه للتبعيض كما يؤيده السياق اللاحق ، وقوله:"موعظة"الظاهر أنه بيان لكل شيء ، ويعطف عليه قوله:"و تفصيلا لكل شيء"وتنكير قوله:"تفصيلا"لإفادة الإبهام والتبعيض ، ويئول المعنى إلى مثل قولنا: وكتبنا لموسى في الألواح وهي التوراة النازلة مختارات من كل شيء ونعني بذلك أنا كتبنا له موعظة وتفصيلا ما وتشريحا ما لكل شيء حسب ما يحتاج إليها قومه في الاعتقاد والعمل.

ففي الكلام دلالة على أن التوراة لم تستكمل جميع ما تمس به حاجة البشر من المعارف والشرائع ، وهو كذلك كما يدل عليه أيضا قوله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل"و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه": المائدة: 48 ، وقد تقدم تفسيره.

وقوله:"فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها"عطف تفريع على قوله:"و كتبنا له في الألواح"الآية لأنه مشعر بمعنى القول ، والتقدير: وقلنا إنا كتبنا لك في الألواح من كل شيء فخذها بقوة.

والأخذ بالقوة كناية عن الأخذ بالجد والحزم فإن من يجد ويحزم في أمر يستعمل ما عنده من القوة فيه حذرا أن يفوته فالأخذ بالقوة لازم الأخذ بالجد والحزم كنى به عنه.

وقوله:"و أمر قومك يأخذوا بأحسنها"الظاهر أن الضمير في"بأحسنها"راجع إلى الأشياء المدلول عليها بقوله قبلا:"من كل شيء"من المواعظ وتفاصيل الآداب والشرائع والأخذ بالأحسن كناية عن ملازمة الحسن في الأمور واتباعه واختياره فإن من يهم بأمر الحسن في الأمور إذا وجد سيئا وحسنا اختار الحسن الجميل ، وإذا وجد حسنا وأحسن منه اضطره حب الجمال إلى اختيار الأحسن وتقديمه على الحسن فالأخذ بأحسن الأمور لازم حب الجمال وملازمة الحسن فكنى به عنه ، والمعنى: وأمر قومك يجتنبوا السيئات ويلازموا ما تهدي إليه التوراة من الحسنات ، ونظير الآية في التكنية قوله تعالى:"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب": الزمر: 18.

وقوله:"سأوريكم دار الفاسقين"ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء الفاسقين هم الذين يفسقون بعدم ائتمار قوله:"و أمر قومك يأخذوا بأحسنها"على ما تقدم من معناه من ملازمة طريق الإحسان في الأمور واتباع الحق والرشد فإن من فسق عن الطريق صرفه الله عن الصراط المستقيم إلى تتبع السيئات والميل عن الرشد إلى الغي كما يفصله في الآية التالية فكانت عاقبة أمره خسرانا وآل أمره إلى الهلاك.

وعلى هذا فما في الآية التالية:"سأصرف عن آياتي"الآية تفسير أو كالتفسير لقوله:"سأوريكم دار الفاسقين"وقيل المراد بدار الفاسقين جهنم ، وفي الكلام تهديد وتحذير ، وقيل المراد بها منازل فرعون وقومه بمصر ، وقيل: منازل عاد وثمود ، وقيل المراد دار العمالقة وغيرهم بالشام وأن الله سيدخلهم فيها فيرونها ، وقيل: المراد سيجيئكم قوم فساق تكون الدولة لهم عليكم.

قوله تعالى:"سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها"الآية تقييد التكبر في الأرض بغير الحق مع أن التكبر فيها لا يكون إلا بغير الحق كتقييد البغي في الأرض بغير الحق للتوضيح لا للاحتراز ويراد به الدلالة على وجه الذم في العمل وأن التكبر كالبغي مذموم لكونه بغير الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت