فهرس الكتاب

الصفحة 1690 من 4314

و أما ما قيل: إن القيد احترازي للدلالة على أن المراد هو التكبر المذموم دون التكبر الممدوح كالتكبر على أعداء الله والتكبر على المتكبر وهو تكبر بالحق ففيه أن المذكور في الآية ليس مطلق التكبر بل التكبر في الأرض ، وهو الاستعلاء على عباد الله واستذلالهم والتغلب عليهم ، وهذا لا يكون إلا بغير الحق.

وقوله:"و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها"عطف على قوله:"يتكبرون"وبيان لأحد أوصافهم وهو الإصرار على الكفر والتكذيب.

وكذا قوله:"و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا"الآية وتكرار الجملتين المثبتة والمنفية بجميع خصوصياتهما للدلالة على اعتنائهم الشديد ومراقبتهم الدقيقة على مخالفة سبيل الرشد واتباع سبيل الغي بحيث لا يعذرون بخطإ ولا يحتمل في حقهم جهل أو اشتباه.

وقوله:"ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا"إلى آخر الآية تعليل لما تحقق فيهم من رذائل الصفات أي إنما جروا على ما جروا بسبب تكذيبهم لآياتنا وغفلتهم عنها ، ومن المحتمل أن يكون تعليلا لقوله تعالى:"سأصرف عن آياتي".

قوله تعالى:"و الذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون"معنى الآية ظاهر ويتحصل منها: أولا: أن الجزاء هو نفس العمل وقد تقدم توضيحه كرارا في أبحاثنا السابقة.

وثانيا: أن الحبط من الجزاء فإن الجزاء بالعمل وإذا كان العمل حابطا فإحباطه هو الجزاء ، والحبط إنما يتعلق بالأعمال التي فيها جهة حسن فتكون نتيجة إحباط الحسنات ممن له حسنات وسيئات أن يجزى بسيئاته جزاء سيئا ويجزى بحسناته بإحباطها فيتمحض له الجزاء السيىء.

ويمكن أن تنزل الآية على معنى آخر وهو أن يكون المراد بالجزاء ، الجزاء الحسن وقوله:"هل يجزون إلا ما كانوا يعملون"كناية عن أنهم لا يثابون بشيء إذ لا عمل من الأعمال الصالحة عندهم لمكان الحبط قال تعالى:"و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا": الفرقان: 23 ، والدليل على كون المراد بالجزاء هو الثواب أن هذا الجزاء هو جزاء الأعمال المذكورة في الآية قبلا ، والمراد بها بقرينة ذكر الحبط هي الأعمال الصالحة.

ومن هنا يظهر فساد ما استدل به بعضهم بالآية على أن تارك الواجب من غير أن يشتغل بضده لا عقاب له لأنه لم يعمل عملا حتى يعاقب عليه وقد قال تعالى:"هل يجزون إلا ما كانوا يعملون".

وجه الفساد أن المراد بالجزاء في الآية الثواب والمعنى أنهم لا ثواب لهم في الآخرة لأنهم لم يأتوا بحسنة ولم يعملوا عملا يثابون عليها.

على أن ثبوت العقاب على مجرد ترك الأوامر الإلهية مع الغض عما يشتغل به من الأعمال المضادة كالضروري من كلامه تعالى قال الله عز وجل:"و من يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم": الجن: 23 ، إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى:"و اتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار"إلى آخر الآية ، الحلي على فعول جمع حلي كالثدي جمع ثدي ، وهو ما يتحلى ويتزين به من ذهب أو فضة أو نحوهما ، والعجل ولد البقرة ، والخوار صوت البقرة خاصة ، وفي قوله تعالى:"جسدا له خوار"- وهو بيان للعجل - دلالة على أنه كان غير ذي حياة وإنما وجدوا عنده خوارا كخوار البقر.

والآية وما بعده تذكر قصة عبادة بني إسرائيل العجل بعد ما ذهب موسى إلى ميقات ربه واستبطئوا رجوعه إليهم ، فكادهم السامري وأخذ من حليهم فصاغ لهم عجلا من ذهب له خوار كخوار العجل وذكر لهم أنه إلههم وإله موسى فسجدوا له واتخذوه إلها ، وقد فصل الله سبحانه القصة في سورة طه تفصيلا ، والذي ذكره في هذه الآيات من هذه السورة لا يستغني عما هناك ، وهو يؤيد نزول سورة طه قبل سورة الأعراف.

وكيف كان فقوله:"و اتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا"معناه اتخذ قوم موسى من بعد ذهابه لميقات ربه قبل أن يرجع - فإنه سيذكر رجوعه إليهم غضبان - عجلا فعبدوه ، وكان هذا العجل الذي اتخذوه"جسدا له خوار"ثم ذمهم الله سبحانه بأنهم لم يعبئوا بما هو ظاهر جلي بين عند العقل في أول نظرته أنه لو كان هو الله سبحانه لكلمهم ولهداهم السبيل فقال تعالى:"أ لم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت