و رابعا: أن ما ذكره (عليه السلام) أنه تجلى له من نوره مقدار ما يخرج من سم الخياط من النور من قبيل تمثيل المعنى بالأمور المحسوسة فلا نوره تعالى نور حسي ، ولا أنه يتقدر بأمر حسي كسم الخياط ، ولذلك مثل ذلك في غير هذه الرواية بوضع طرف الإبهام على أنملة الخنصر كما سيأتي ، والغرض على أي تقدير بيان صغره وحقارته.
وعلى أي حال فالتجلي إنما هو بما يكفي لدكه وصعقته ، وأما كمال نوره تعالى فهو غير متناه لا يحاذيه أي أمر متناه مفروض فلا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي.
وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية:"فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا"قال هكذا وأشار بإصبعيه ، ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وخر موسى صعقا وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة. أقول: ووقع في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الجبل دك فصار رميما ، وفي بعضها أنه ساخ في البحر فهو يهوي حتى الساعة ، وفي بعضها: إلى هذه الساعة ، والمحصل من تفسير بعضها ببعض أنه صار رميما نزل البحر فلا يرى منه أثر أبدا وينبغي أن يكون هذا معنى قوله: فساخ الجبل في الأرض أو في البحر فهو يسخ إلى يوم القيامة أو إلى الساعة.
وفيه ، أخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق ثابت عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله:"فلما تجلى ربه للجبل"قال: أظهر مقدار هذا ووضع الإبهام على خنصر الإصبع الصغرى. فقال حميد راوي الحديث يا أبا محمد الراوي عن أنس ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟ وفيه ،: أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية:"رب أرني أنظر إليك"قال: قال الله عز وجل يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق ، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ، ولا تبلى أجسادهم. أقول: والرواية نظيرة ما تقدم من رواية التوحيد عن علي (عليه السلام) وتقدم توضيح معناها.
وفي تفسير العياشي ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما سأل موسى ربه تبارك وتعالى ،"قال رب أرني أنظر إليك - قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل - فإن استقر مكانه فسوف تراني"قال: فلما صعد موسى على الجبل فتحت أبواب السماء ، وأقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد ، وفي رأسها النور يمرون به فوجا بعد فوج ، يقولون: يا ابن عمران اثبت فقد سألت عظيما. قال: فلم يزل موسى واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا فلما أن رد الله عليه روحه أفاق"قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين". وفيه ، أيضا عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن موسى بن عمران لما سأل ربه النظر إليه وعد الله أن يقعد في موضع ثم أمر الملائكة تمر عليه موكبا موكبا بالرعد والبرق والريح والصواعق فكلما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل: أيكم ربي؟ فيجاب هو آت وقد سألت عظيما يا ابن عمران. أقول: والرواية موضوعة ، وما تشمل عليه لا يقبل الانطباق على شيء من مسلمات الأصول المتخذة من الكتاب والسنة.