فهرس الكتاب

الصفحة 1699 من 4314

و ينتج مجموع الكلامين أنه سبحانه مشهود لخلقه معروف لهم غير غائب عنهم غير أن اشتغالهم بأنفسهم والتفاتهم إلى ذواتهم حجبهم عن التنبه على أنهم يشهدونه دائما فالعلم موجود أبدا ، والعلم بالعلم مفقود في بعض الأحيان ، وقد بنى الصادق (عليه السلام) على هذا الأساس فيما أجاب به بعض من شكى إليه كثرة الشبهات فقال (عليه السلام) له: هل ركبت السفينة فانكسرت وغرقت وبقيت وحدك على لوحة خشبة منها تلعب بك الأمواج فانقطعت عن كل سبب ينجيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلق قلبك إذ ذاك بشيء؟ قال: نعم. قال: ذلك الشيء هو الله وفي جوامع التوحيد ، عن الرضا (عليه السلام) قال: خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم. وفي العلل ، بإسناده عن الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) : لأي علة حجب الله عز وجل الخلق عن نفسه؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى بناهم بنية على الجهل. أقول: يظهر من رواية التوحيد ، السابقة أن بناءهم على الجهل هو خلقهم بحيث يشتغلون بأنفسهم.

وفي المحاسن ، بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل كان ولا شيء غيره نورا لا ظلام فيه ، وصادقا لا كذب فيه ، وعالما لا جهل فيه ، وحيا لا موت فيه وكذلك هو اليوم ، وكذلك لا يزال أبدا الحديث.

وفي التوحيد ، بإسناده عن الرضا (عليه السلام) في حديث: كان يعني رسول ص إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب. وفيه ، أيضا بإسناده عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه عز وجل؟ فقال: نعم بقلبه رآه أ ما سمعت الله عز وجل يقول:"ما كذب الفؤاد ما رأى"لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد. وفيه ، بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام عن الصادق (عليه السلام) في حديث: ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن الحجاب والمثال والصورة غيره وإنما هو واحد موحد فكيف يوحد من زعم أنه عرفه بغيره؟ إنما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنما يعرف غيره ، ليس بين الخالق والمخلوق شيء ، والله خالق الأشياء لا من شيء. تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه ، والأسماء غيره ، والموصوف غير الواصف ، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة ، لا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله ، ولا تدرك معرفة الله إلا بالله ، والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه. أقول: الرواية تثبت معرفة الله لكل مخلوق يدرك شيئا ما من الأشياء ، وتثبت أن هذه المعرفة غير المعرفة الفكرية التي تحصل من طريق الأدلة والآيات وأن القصر على المعرفة الاستدلالية لا يخلو عن جهل بالله ، وشرك خفي.

بيان ذلك بما تعطيه الرواية من المقدمات أن المعرفة المتعلقة بشيء إنما هي إدراكه فما وقع في ظرف الإدراك فهو الذي تتعلق به المعرفة حقيقة لا غيره ، فلو فرضنا أنا عرفنا شيئا من الأشياء بشيء آخر هو واسطة في معرفته فالذي تعلق به إدراكنا هو الوسط دون الظرف الذي هو ذو وسط ، فلو كانت المعرفة بالوسط مع ذلك معرفة بذي الوسط كان لازمه أن يكون ذلك الوسط بوجه هو ذا الوسط حتى تكون المعرفة بأحدهما هي بعينها معرفة بالآخر فهو هو بوجه وليس هو بوجه فيكون واسطة رابطة بين الشيئين فزيد الخارجي الذي نتصوره في ذهننا هو زيد بعينه ولو كان غيره لم نكن تصورناه بل تصورنا غيره ، وعاد عند ذلك علومنا جهالات.

وإذ كان لا واسطة بين الخالق والمخلوق ليكون رابطة بينهما فلا تمكن معرفته سبحانه بشيء آخر غير نفسه فلو عرف بشيء كان ذلك الشيء هو نفسه بعينه ، وإن لم يعرف بنفسه لم يعرف بشيء آخر أبدا فدعوى أنه تعالى معروف بشيء من الأشياء كتصور أو تصديق أو آية خارجية شرك خفي لأنه إثبات واسطة بين الخالق والمخلوق يكون غيرهما جميعا وما هذا وصفه غير محتاج الوجود إلى الخالق تعالى فهو مثله وشريكه فالله سبحانه لو عرف عرف بذاته ، ولو لم يعرف بذاته لم يعرف بشيء آخر البتة لكنه سبحانه معروف ، فهو معروف بذاته أي إن ذاته المتعالية والمعروفية شيء واحد بعينه فمن المستحيل أن يكون مجهولا لأن ثبوت ذاته عين ثبوت معروفيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت