فهرس الكتاب

الصفحة 1700 من 4314

و أما بيان كونه تعالى معروفا فلأن شيئا من الأشياء المخلوقة لا يستقل عنه تعالى بذاته بوجه من الوجوه لا في خارج ولا في ذهن ، فوجوده كالنسبة والربط الذي لا يمكنه الاستقلال عن طرفه بوجه من الوجوه ، فإذا تعلق علم مخلوق بشيء من الأشياء أي وقع المعلوم في ظرف علمه لم يتحقق هناك إلا ومعه خالقا متكئا بوجوده عليه وإلا لاستقل دونه فلا يجد عالم معلومه إلا وقد وجد الله سبحانه قبله ، والعالم نفسه حيث كان مخلوقا لم يستقل بالعلم إلا بالله سبحانه الذي قوم وجود هذا العالم ، ولو استقل به دونه كان مستقلا دونه غير مخلوق له ، فالله سبحانه يحتاج إليه العالم في كونه عالما كما يفتقر إليه وجود المعلوم في كونه معلوما أي إن العلم يتعلق باستقلال ذات المعلوم أي إن الله سبحانه هو المعلوم أولا ويعلم به المعلوم ثانيا كما أنه تعالى هو العالم أولا وبه يكون الشيء عالما ثانيا فافهم ذلك وتدبر في قوله تعالى:"و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء": البقرة: 255 ، وفي قوله (عليه السلام) :"ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله". فقد تبين أنه تعالى معروف لأن ثبوت علم ما بمعلوم ما في الخارج لا يتم إلا بكونه تعالى هو المعروف أولا ، وثبوت ذلك ضروري.

فقوله (عليه السلام) :"من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو صورة أو مثال فهو مشرك كان المراد بالحجاب هو الشيء الذي يفرض فاصلا بينه تعالى وبين العارف ، وبالصورة الصورة الذهنية المقارنة للأوصاف المحسوسة من الأضواء والألوان والأقدار وبالمثال ما هو من المعاني العقلية غير المحسوسة أو المراد بالصورة الصورة المحسوسة ، وبالمثال الصورة المتخيلة ، أو المراد بالصورة التصور وبالمثال التصديق ، وكيف كان فالعلوم الفكرية داخلة في ذلك ، والأخبار في نفي كون العلم الفكري إحاطة علمية بالله كثيرة جدا."

وكون هذه المعرفة شركا لإثباتها أمرا ليس بخالق ولا مخلوق كما عرفت آنفا ، ولزوم كونه مشاركا معه بوجه مباينا له بوجه ، ولذلك عقب (عليه السلام) الكلام بقوله:"و إنما هو واحد موحد"أي إنه لا يشاركه في ذاته شيء بوجه من الوجوه حتى يوجب ذلك تركبه وانتفاء وحدته كما أن الصورة العلمية تشارك المعلوم الخارجي في معناه وماهيته وتفارقه في وجوده فيصير المعلوم بذلك مركبا من ماهية ووجود.

"فكيف يوحد من زعم أنه يعرفه بغيره"مع إثباته شريكا له في وجوده وتركبا له في ذاته"إنما عرف الله من عرفه بالله"أي بنفس ذاته من غير واسطة"و من لم يعرفه به فليس يعرفه إنما يعرف غيره"كل ذلك"لأنه ليس بين الخالق والمخلوق شيء"أي أمر يربطهما هو غيرهما"و الله خالق الأشياء لا من شيء"يكون رابطا بينهما موصلا للخالق إلى المخلوق وبالعكس كما أن الإنسان الصانع يربطه إلى مصنوعه مثاله الذي في ذهن الصانع ، والمادة الخارجية التي بيده.

وقوله (عليه السلام) :"تسمى بأسمائه فهو غير أسمائه"في موضع دفع اعتراض مقدر ، وهو أن يقال: إنا إنما نعرفه سبحانه بأسمائه الحاكية لجماله وجلاله ، فدفعه بأن نفس التسمي بالأسماء يقضي بأن الأسماء غيره إذ لو لم تكن غيره لكان معرفته بأسمائه معرفة له بنفسه لا بشيء آخر ثم أكده بأن الأسماء واصفة ، والذات موصوفة"و الموصوف غير الواصف".

فإن رجع المعترض وقال: إنا نؤمن بما نجهله ، ولا يمكننا معرفته بنفسه إلا بما تسمى معرفة به بنوع من المجاز كالمعرفة بالآيات و"زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة لا يدري ما ذا يقول فإنه يدرك شيئا لا محالة لا مجال له لإنكار ذلك"و لا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله"فهو يعرف الله وإلا لم يمكنه أن يعرف به ، ولا تنال"و لا تدرك معرفة الله إلا بالله"ولا رابطة مشتركة بين الخالق والمخلوق"و الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه"."

فقد تحصل من الرواية أن معرفة الله سبحانه ضروري لكل مدرك ذي شعور من خلقه إلا أن الكثير منهم ضال عن المعرفة مختلط عليه ، والعارف بالله يعرفه به ، ويعلم أنه يعرفه ويعرف كل شيء به ، وفي بعض هذه المعاني روايات أخر.

واعلم أن الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت