فيئول معنى بيانية قوله:"الذين يتبعون الرسول"إلى استخراج بيان من بيان للتطبيق على مورد الحاجة كأنه قيل: فإذا كان المكتوب من رحمة الله لبني إسرائيل قد كتب للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون فمصداقه اليوم - يوم بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - هم الذين يتبعونه من بني إسرائيل لأنهم الذين اتقوا وآتوا الزكاة وهم الذين آمنوا بآياتنا فإنهم آمنوا بموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم آياتنا ، وآمنوا بمعجزات هؤلاء الرسل وما نزل عليهم من الشرائع والأحكام وهي آياتنا ، وآمنوا بما ذكرنا لهم في التوراة والإنجيل من أمارات نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلامات ظهوره ودعوته ، وهي آياتنا.
ثم قوله:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي"الآية أخذ فيه"يتبعون"موضع يؤمنون ، وهو من أحسن التعبير لأن الإيمان بآيات الله سبحانه كأنبيائه وشرائعهم إنما هو بالتسليم والطاعة فاختير لفظ الاتباع للدلالة على أن الإيمان بمعنى الاعتقاد المجرد لا يغني شيئا فإن ترك التسليم والطاعة عملا تكذيب بآيات الله وإن كان هناك اعتقاد بأنه حق.
وذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الأوصاف الثلاث: الرسول النبي الأمي ، ولم يجتمع له في موضع من كلامه تعالى إلا في هذه الآية والآية التالية ، مع قوله تعالى بعده:"الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل"تدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مذكورا فيهما معرفا بهذه الأوصاف الثلاث.
ولو لا أن الغرض من توصيفه بهذه الثلاث هو تعريفه بما كانوا يعرفونه به من النعوت المذكورة له في كتابيهم لما كانت لذكر الثلاث:"الرسول النبي الأمي"وخاصة الصفة الثالثة نكتة ظاهرة.
وكذلك ظاهر الآية يدل أو يشعر بأن قوله: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى آخر الأمور الخمسة التي وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها في الآية من علائمه المذكورة في الكتابين ، وهي مع ذلك من مختصات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وملته البيضاء فإن الأمم الصالحة وإن كانوا يقومون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ذكره تعالى من أهل الكتاب في قوله:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة - إلى أن قال - ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين": آل عمران 114.
وكذلك تحليل الطيبات وتحريم الخبائث في الجملة من الجملة الفطريات التي أجمع عليها الأديان الإلهية ، وقد قال تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق": الأعراف: 32.
وكذلك وضع الإصر والأغلال وإن كان مما يوجد في الجملة في شريعة عيسى (عليه السلام) كما يدل عليه قوله فيما حكى الله عنه في القرآن الكريم:"و مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم": آل عمران: 50 ويشعر به قوله خطابا لبني إسرائيل:"قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه": الزخرف 63.
إلا أنه لا يرتاب ذو ريب في أن الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتاب من عند الله مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية - وهو دين الإسلام - هو الدين الوحيد الذي نفخ في جثمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ما يسعه من روح الحياة ، وبلغ به من حد الدعوة الخالية إلى درجة الجهاد في سبيل الله بالأموال والنفوس ، وهو الدين الوحيد الذي أحصى جميع ما يتعلق به حياة الإنسان من الشئون والأعمال ثم قسمها إلى طيبات فأحلها ، وإلى خبائث فحرمها ، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرعة أي شريعة دينية وقانون اجتماعي ، وهو الدين الذي نسخ جميع الأحكام الشاقة الموضوعة على أهل الكتاب واليهود خاصة ، وما تكلفها علماؤهم ، وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من الأحكام المبتدعة.
فقد اختص الإسلام بكمال هذه الأمور الخمسة وإن كانت توجد في غيره نماذج من ذلك.