فهرس الكتاب

الصفحة 1709 من 4314

على أن كمال هذه الأمور الخمسة في هذه الملة البيضاء أصدق شاهد وأبين بينة على صدق الناهض بدعوتها (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو لم تكن تذكر أمارات له في الكتابين فإن شريعته كمال شريعة الكليم والمسيح (عليه السلام) وهل يطلب من شريعة حقة إلا عرفانها المعروف وإنكارها المنكر ، وتحليلها الطيبات ، وتحريمها الخبائث ، وإلغاؤها كل إصر وغل؟ وهي تفاصيل الحق الذي يدعو إليه الشرائع الإلهية فليعترف أهل التوراة والإنجيل أن الشريعة التي تتضمن كمال هذه الأمور بتفاصيلها هي عين شريعتهم في مرحلة كاملة.

وبهذا البيان يظهر أن قوله تعالى:"يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر"الآية يفيد بمجموعه معنى تصديقه لما في كتابيهم من شرائع الله تعالى كأنه قيل مصدقا لما بين يديه كما في قوله تعالى:"و لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون": البقرة 101 وقوله:"و لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين": البقرة: 89 يريد مجيء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكمال ما في كتابهم من الشريعة مصدقا له ثم كفرهم به وهم يعلمون أنه المذكور في كتبهم المبشر به بلسان أنبيائهم كما حكى سبحانه عن المسيح في قوله:"يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد": الصف: 6.

وسنبحث عن بشاراته (عليه السلام) الواقعة في كتبهم المقدسة بما تيسر من البحث إن شاء الله العزيز.

غير أنه تعالى لم يقل: مصدقا لما بين يديه بدل قوله:"يأمرهم بالمعروف"الآية لأن وجه الكلام إلى جميع الناس دون أهل الكتاب خاصة ، ولذا أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية التالية بقوله:"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا"ولم يقيد الكلام في قوله:"فالذين آمنوا به"إلخ بما يختص به بأهل الكتاب.

قوله تعالى:"فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور"إلى آخر الآية التعزير النصرة مع التعظيم ، والمراد بالنور النازل معه القرآن الكريم ذكر بنعت النورية ليدل به على أنه ينير طريق الحياة ، ويضيء الصراط الذي يسلكه الإنسان إلى موقف السعادة والكمال ، والكلام في هذا الشأن.

وفي قوله تعالى:"أنزل معه"ولم يقل: أنزل عليه أو أنزل إليه و"مع"تدل على المصاحبة والمقارنة تلويح إلى معنى الأمارة والشهادة التي ذكرناها كأنه قيل: واتبعوا النور الذي أنزل عليه وهو بما يحتوي عليه من كمال الشرائع السابقة ، ويظهره بالإضاءة شاهد على صدقه ، وأمارة أنه هو الذي وعد به أنبياؤهم ، وذكر لهم في كتبهم فقوله:"معه"حال من نائب فاعل"أنزل".

وقد وقع نظيره في قوله تعالى:"فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 213.

وقد اختلف المفسرون في توجيه هذه المعية ومعناها: فقيل: إن الظرف - معه - متعلق بأنزل ، والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو إرساله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه لم ينزل معه ، وإنما أنزل مع جبرئيل ، وقيل: متعلق ب"اتبعوا"والمعنى شاركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتباعه ، أو المعنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم له وقيل: حال عن فاعل اتبعوا ، والمعنى اتبعوا القرآن مصاحبين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتباعه ، وقيل:"مع"هنا بمعنى على ، وقيل: بمعنى عند ، ولا يخفى بعد الجميع.

وقوله:"فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور"الآية بمنزلة التفسير لقوله في صدر الآية:"الذين يتبعون الرسول"وأن المراد باتباعه حقيقة اتباع كتاب الله المشتمل على شرائعه ، وأن الذي له (عليه السلام) من معنى الاتباع هو الإيمان بنبوته ورسالته من غير تكذيب به ، واحترامه بالتسليم له ونصرته فيما عزم عليه من سيرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت