فهرس الكتاب

الصفحة 1710 من 4314

و الكلام أعني قوله:"فالذين آمنوا به"الآية نتيجة متفرعة على قوله في صدر الآية:"الذين يتبعون الرسول"الآية بناء على ما قدمناه من أنه بيان خاص مستخرج من قوله:"و الذين هم بآياتنا يؤمنون"الذي هو بيان عام ، والمعنى إذا كان اتباع الرسول بهذه الأوصاف والنعوت هو من الإيمان بآياتنا الذي شرطناه على بني إسرائيل في قبول دعوة موسى لهم ببسط الرحمة في الدنيا والآخرة وفيه الفلاح بكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة فالذين آمنوا به - إلى آخر ما شرط الله - أولئك هم المفلحون.

قوله تعالى:"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا - إلى قوله - ويميت"لما لاح من الأوصاف التي وصف بها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عنده كمال الدين الذي به حياة الناس الطيبة في أي مكان فرضوا وفي أي زمان قدر وجودهم ، ولا حاجة للناس في طيب حياتهم إلى أزيد من أن يؤمروا بالمعروف ، وينهوا عن المنكر ، وتحلل لهم الطيبات ، وتحرم عليهم الخبائث ، ويوضع عنهم إصرهم والأغلال التي عليهم أمر نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعلن بنبوته الناس جميعا من غير أن تختص بقوم دون قوم فقال:"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا".

وقوله: الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت"صفات وصف الله بها ، وهي بمجموعها بمنزلة تعليل يبين بها إمكان الرسالة من الله في نفسها أولا وإمكان عمومها لجميع الناس ثانيا فيرتفع به استيحاش بني إسرائيل أن يرسل إليهم من غير شعبهم وخاصة من الأميين وهم شعب الله ومن مزاعمهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل ، وهم خاصة الله وأبناؤه وأحباؤه ، وبه يزول استبعاد غير العرب من جهة العصبية القومية أن يرسل إليهم رسول عربي."

وذلك أن الله الذي اتخذه رسولا هو الذي له ملك السماوات والأرض والسلطنة العامة عليها ، ولا إله غيره حتى يملك شيئا منها فله أن يحكم بما يشاء من غير أن يمنع عن حكمه مانع يزاحمه أو تعوق إرادته إرادة غيره فله أن يتخذ رسولا إلى عباده وأن يرسل رسوله إلى بعض عباده أو إلى جميعهم كيف شاء وهو الذي له الإحياء والإماتة فله أن يحيي قوما أو الناس جميعا بحياة طيبة سعيدة والسعادة والهدى من الحياة كما أن الشقاوة والضلالة موت ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24 ، وقال:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 ، وقال:"إنما يستجيب الذين يسمعون ، والموتى يبعثهم الله": الأنعام: 36.

قوله تعالى:"فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي"إلى آخر الآية تفريع على ما تقدم أي إذا كان الحال هذا الحال فآمنوا بي فإني ذاك الرسول النبي الأمي الذي بشر به في التوراة والإنجيل ، وأنا أومن بالله ولا أكفر به وأومن بكلماته وهي ما قضى به من الشرائع النازلة علي وعلى الأنبياء السالفين ، واتبعوني لعلكم تفلحون.

هذا ما يقتضيه السياق ، ومنه يعلم وجه الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله"و رسوله النبي الأمي الذي"الآية فإن الظاهر من السياق أن هذه الآية ذيل الآية السابقة ، وهما جميعا من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ووجه الالتفات - كما ظهر مما تقدم - أن يدل بالأوصاف الموضوعة مكان ضمير المتكلم على تعليل الأمر في قوله:"فآمنوا"وقوله:"و اتبعوه لعلكم تهتدون".

والمراد بالاهتداء الاهتداء إلى السعادة الآخرة التي هي رضوان الله والجنة لا الاهتداء إلى سبيل الحق فإن الإيمان بالله ورسوله واتباع رسوله بنفسه اهتداء ، فيرجع معنى قوله:"لعلكم تهتدون"إلى معنى قوله في الآية السابقة في نتيجة الإيمان والاتباع:"أولئك هم المفلحون".

قوله تعالى:"و من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"وهذا من نصفة القرآن مدح من يستحق المدح ، وحمد صالح أعمالهم بعد ما قرعهم بما صدر عنهم من السيئات فالمراد أنهم ليسوا جميعا على ما وصفنا من مخالفة الله ورسوله ، والتزام الضلال والظلم بل منهم أمة يهدون الناس بالحق وبالحق يعدلون فيما بينهم فالباء في قوله:"بالحق"للآلة وتحتمل الملابسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت